الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

اقتصادسياسة

من محطات الماء إلى جبهات الحرب.. كيف ظهر الكلور في قلب الملف الكيميائي السوداني؟

محسن عثمان

في الحروب، قد تتحول أكثر المواد اعتيادية إلى جزء من أكثر الملفات إثارة للقلق. والكلور، الذي تعرفه البشرية أساساً كمادة، تستخدم لتطهير مياه الشرب وحمايتها من التلوث، يجد نفسه اليوم في قلب تحقيقات، تتعلق ببرنامج كيميائي عسكري مزعوم في السودان.

المسألة لا تتعلق فقط بالحديث عن قنابل أو ذخائر تحتوي على الكلور، بل بالسؤال الأكثر تعقيداً: كيف وصلت هذه المادة إلى المجال العسكري، ومن أين جاءت أصلاً؟

وثائق نشرتها وسائل إعلام أميركية، وراجعتها صحيفة «واشنطن بوست»، تتحدث عن أكثر من مسار محتمل للحصول على الكلور. من بين هذه المسارات، منشآت مخصصة لمعالجة مياه الشرب، إلى جانب شحنة، قيل إنها دخلت السودان عبر الأراضي المصرية.

وتتحدث إحدى الروايات الواردة في المراسلات عن وصول 20 خزاناً من الكلور عبر مصر، وهي كمية، قيل إنها يمكن أن تكفي نظرياً لإنتاج نحو 1100 ذخيرة. وفي المقابل، تشير تسجيلات ومواد أخرى إلى الحصول على أسطوانات من منشآت، تستخدم أساساً في معالجة المياه.

ومن بين المنشآت التي تظهر في هذه المعطيات محطة المنارة لمعالجة المياه في الخرطوم، وهي منشأة مدنية، كانت تتلقى الكلور في إطار جهود دعم توفير مياه آمنة للسكان، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان، منذ اندلاع الحرب.

وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في الملف.

فالمعطيات المتاحة، لا تثبت أن الكلور الذي قدمته منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» هو نفسه، الذي انتهى في الذخائر المزعومة. كما أن مجرد وجود المادة داخل محطة مدنية لا يمكن، بأي شكل، أن يتحول إلى اتهام للمنظمة أو دليلاً على تحويل مساعداتها إلى الاستخدام العسكري.

وقد أكدت اليونيسف أن الكلور الذي قدمته إلى هيئة مياه ولاية الخرطوم، خلال الفترة الممتدة بين 2023 و2025 كان مخصصاً للاستخدام في ست محطات، من بينها محطة المنارة، وأن سجلاتها، لا تتضمن دليلاً على تحويل أي كمية قدمتها أو إساءة استخدامها. كما أن توجيه المادة إلى أي استخدام آخر، سيكون مخالفاً لشروط المساعدة.

لكن القضية لا تنتهي هنا.

فإذا تمكن تحقيق مستقل من إثبات أن مواد كانت موجهة أصلاً، لخدمة السكان ومعالجة مياه الشرب، جرى تحويلها لاحقاً إلى برنامج عسكري، فإن الأمر لن يعود مجرد قصة عن مصدر مادة كيميائية، بل سيتحول إلى سؤال أكبر يتعلق بمدى حماية سلاسل المساعدات الإنسانية والمواد ذات الاستخدام المزدوج في مناطق النزاع.

أما الرواية المتعلقة بالشحنة التي قيل، إنها وصلت عبر مصر، فهي بدورها تحتاج إلى تدقيق مستقل: ما طبيعة الشحنة؟ من قام بشرائها؟ ومن كانت الجهة المستفيدة منها؟ وكيف تحركت بعد دخولها الأراضي السودانية؟

وهكذا، فإن أهمية الوثائق المتداولة، لا تكمن بالضرورة في أنها كشفت مصدراً واحداً ونهائياً للكلور، وإنما في أنها تفتح الباب أمام احتمال وجود مسارين مختلفين للإمداد: مسار عبر الحدود، وآخر يرتبط بمواد موجودة أصلاً داخل منشآت مدنية.

وبين المسارين، تبقى الحقيقة بحاجة إلى تحقيقات، قادرة على تتبع المادة منذ لحظة وصولها إلى السودان، مروراً بالجهات التي تسلمتها وخزنتها، وصولاً إلى المكان الذي انتهت فيه.

ففي زمن الحرب، قد لا يكون أخطر ما في المادة الكيميائية هو اسمها أو طبيعة استخدامها المعروفة، بل الطريق الذي سلكته حتى وصلت إلى ساحة المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.