دفاتر قضائية

من مسدس الخدمة إلى مسدس الجريمة: حين أطلق الشرطي النار على ظله!

ضربة قلم

كنا قد أشرنا قبل أيام، وبشيء من السخرية الممزوجة بالدهشة، إلى ظاهرة «إشهار المسدسات» التي باتت ترافق بعض التدخلات الأمنية، حتى خُيِّل إلينا أن البعض يعيش موسم عاشوراء طيلة السنة، لا فرق بين «مسدس العيد» و«مسدس الخدمة». غير أن المشهد هذه المرة خرج من دائرة المبالغة الساخرة إلى واقعٍ قاتمٍ وموجع، بعدما تحوّلت فوهة السلاح الوظيفي من أداة ردعٍ للجريمة إلى أداةٍ لاقترافها.

ففي مدينة سلا الجديدة، التي لطالما عُرفت بمشاكل عادية، اهتزّ حيٌّ بأكمله على وقع فاجعة غير مسبوقة: مفتش شرطة يقتل سيدة داخل منزله بسلاحه الوظيفي، في لحظة غامضة لم تتضح تفاصيلها بعد، سوى أنها وقعت خارج نطاق العمل، وتحت سقف علاقة يلفّها الغموض.

ووفق المعطيات الأولية، فقد فتحت الشرطة القضائية بسلا بحثًا دقيقًا تحت إشراف النيابة العامة المختصة، لتحديد الملابسات الحقيقية التي دفعت هذا الشرطي إلى ارتكاب فعلٍ بهذا الحجم. وقد عاينت مصالح الأمن جثة الضحية، التي كانت رفقة المشتبه فيه داخل بيته، حيث وُجدت مصابة بطلقٍ ناريٍّ صادر عن مسدسه الوظيفي.

الجثة نُقلت إلى مستودع الأموات من أجل التشريح الطبي، في انتظار ما سيسفر عنه التحقيق من تفاصيل حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، وما إذا كان الحادث لحظة غضبٍ مفاجئة، أم نتيجة خلافٍ متفاقم، أم شيئًا أكثر تعقيدًا من ذلك.

الخبر نزل كالصاعقة على زملائه في الجهاز الأمني، وعلى الرأي العام الذي وجد نفسه أمام واقعة تُعيد إلى الواجهة سؤالًا مقلقًا: هل أصبحت بعض الأسلحة الوظيفية تُستعمل خارج منطق “حماية المواطن” لتتحوّل إلى أدوات تصفية حسابات شخصية؟

الشرطة، كمؤسسة، لطالما كانت صمّام الأمان في وجه الفوضى والجريمة، لكن مثل هذه الأحداث الفردية تضرب الثقة في عمقها، وتفتح باب التساؤل حول الجانب النفسي والتكويني للعناصر التي تحمل السلاح يوميًا. فالمسدس ليس امتيازًا، بل مسؤولية ثقيلة تتطلّب توازنًا نفسيًا راسخًا، لأن رصاصة واحدة قد تقتل حياة وتُربك مؤسسة بأكملها.

ويبقى الأمل اليوم في أن يكشف التحقيق الحقيقة كاملة، دون رتوش أو تبريرات، لأن الحادثة لا تخص شخصًا بعينه، بل تمسّ صورة جهاز بأكمله. أما الدرس الأهم، فهو أن «السلطة» -متى ما انفصلت عن الانضباط والوعي- تتحوّل إلى خطر، مهما كانت الزيّ الرسمي الذي ترتديه.

فالمسدس، في النهاية، ليس لعبة عاشوراء… بل مسؤولية بحجم الحياة نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.