الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الشأن المحليمجتمع

من يحكم الجماعات الترابية فعلاً؟ الموظف الخفي والمستفيدون من الصفقات أم المنتخبون؟

ضربة قلم

حين نتحدث عن التسيير الفعلي للجماعات الترابية في المغرب، نجد أنفسنا أمام مفارقة سياسية وإدارية تتجاوز مجرد الحديث عن المنتخبين أو الموظفين، لتصبح لعبة نفوذ معقدة بين الواجهة الرسمية والسلطة الخفية. من المفترض أن يقود الجماعات الترابية المنتخبون، رؤساء وأعضاء المجالس الذين اختارهم المواطنون عبر صناديق الاقتراع، وهم الذين يمثلون الإرادة الشعبية، ويصوغون السياسات المحلية ويحددون أولويات التنمية والخدمات. لكن الواقع الميداني يكشف أن السلطة الفعلية لا ترتبط دائماً بما ينص عليه القانون، بل بمن يملك القدرة على تحريك مفاصل الإدارة المحلية ومصادر التمويل، وبمن يعرف خفايا البيروقراطية وأسرار تسييرها.

الموظف الإداري، ذلك “الخفي” الذي لا يلمحه المواطن العادي، غالباً ما يكون قلب المؤسسة النابض، وصوتها الفعلي الذي يحدد أي مشروع ينجز وأي قرار يُؤجل. هذا الموظف يعرف القوانين والإجراءات واللوائح أكثر من أي منتخب، ويملك شبكة علاقات تمتد بين الإدارات والجهات والوزارات، ما يجعله قادراً على تحويل أي قرار رسمي إلى مجرد ورقة مطوية على رفّ مكتبه أو تنفيذ الأمور بطريقته الخاصة. في كثير من الأحيان، يجد المنتخب نفسه أمام خيارات محدودة: إما الرضوخ لما يمليه الموظف الإداري، أو مواجهة البيروقراطية التي يمكن أن تُبطئ أي مشروع حتى يحلّ الوقت الانتخابي التالي، مع خسارة صورة سياسية أمام الناخبين.

إلى جانب ذلك، هناك فئة أخرى تتغذى على هذه المنظومة، وهم المستفيدون من الصفقات والمشاريع المحلية. هؤلاء، سواء كانوا مقاولين أو وسطاء، يعرفون كيف يسلكون طريقهم داخل شبكات النفوذ والبيروقراطية، مستفيدين من العلاقة غير الرسمية بين المنتخب والموظف الإداري الخفي. فهم غالباً ما يحصلون على عقود ومناقصات كبيرة، أحياناً بأسعار مضخمة أو عبر إجراءات مشكوك فيها، ويصبح جزء من أرباحهم رهناً بإبقاء المشروع أو القرار ضمن دائرة المصالح المشتركة بين الإدارة والمنتخب، وهو ما يعمق ثقافة المحسوبية ويبعد المشاريع عن أهدافها الحقيقية لصالح منافع خاصة محدودة.

هذا الوضع يخلق تناقضاً واضحاً بين الشكل والمضمون، بين ما يُعلن رسمياً وما يُمارس فعلياً. المنتخبون يتحملون المسؤولية السياسية أمام المواطنين، لكن القدرة على تحويل الأفكار إلى واقع ملموس تبقى رهينة موظف يعرف كل ثغرة وكل نقطة ضعف في النظام، ومعهم المستفيدون من الصفقات الذين يستغلون الفراغ التنظيمي لتحقيق مصالحهم الخاصة. ومن هنا، تنشأ ديناميات معقدة حيث يتحول المنتخب أحياناً إلى واجهة رمزية، بينما يدير الموظف الإداري الأمور بحرفية وأحياناً بمصالح شخصية، ويظل المستفيد من الصفقات حاضرًا في كل مرحلة لضمان استمرار المكاسب.

النتيجة هي أن الجماعات الترابية تعيش حالة من ازدواجية القيادة، حيث تتداخل القرارات السياسية مع القرارات الإدارية والمصالح المالية، ويصبح المواطن في الغالب غير قادر على تمييز من يقود فعلاً. المشهد أكثر تعقيداً حين تدخل الحسابات الحزبية والمناطقية، حيث قد يجد المنتخب نفسه مضطراً للتوافق مع موظف إداري محلي محسوب على تيار معين أو على شبكة مصالح، وإلا فإن المشاريع تتوقف أو التمويل يتأخر، فيتآكل الثقة بين الناخبين والمنتخبين مع مرور الوقت.

وبذلك، يطرح السؤال نفسه بلا إجابة نهائية: هل الجماعات الترابية في المغرب تحت قيادة الإرادة الشعبية أم تحت إدارة موظف خبير يملك القدرة على فرض وقائع يومية تجعل من القرارات الرسمية مجرد ورق لا ينفذ؟ الواقع يشير إلى أن القيادة الحقيقية غالباً ما تميل نحو الخبرة الإدارية المخفية والمصالح الخاصة أكثر من الانتماء الحزبي أو الإرادة الشعبية، مما يجعل التجربة الديمقراطية المحلية محدودة التأثير، ويطرح تحديات كبيرة أمام تعزيز الحكامة والمساءلة والمشاركة الحقيقية للمواطنين في صنع القرار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.