من 100 شقة لمحاربة الصفيح إلى أطلال البرادعة.. كيف ضاع مشروع «سامير»؟

ضربة قلم
في مدينة المحمدية، حيث ارتبط اسم «سامير» لعقود بالصناعة والاقتصاد والشغل، توجد قصة أخرى، أقل شهرة من قصة المصفاة، لكنها ربما أكثر قسوة، لأنها تتعلق بمشروع، كان يفترض أن يمنح عشرات الأسر الفقيرة شيئاً بسيطاً جداً: سقفاً يحميها من قسوة الحياة.
إنها قصة مشروع سكني بحي البرادعة، أنجزته شركة «سامير» في إطار شراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بهدف توفير حوالي 100 شقة لفائدة مستحقين من قاطني دور الصفيح.
كان المشروع يحمل، في بدايته، كل مقومات النجاح.
شركة صناعية كبيرة، تساهم في إنجاز السكن.
مبادرة وطنية، تضع محاربة السكن غير اللائق ضمن أولوياتها.
أسر تنتظر الانتقال من الصفيح، إلى السكن اللائق.
وعمارات ترتفع في البرادعة، وكأنها تقول لسكانها المنتظرين:
انتهى زمن الصفيح… وبدأ زمن السكن الكريم.
لكن يبدو أن هذه الجملة، بقيت معلقة بين الجدران.
فالمشروع اكتمل بناؤه، لكن قصته لم تكتمل.
بل إن ما وقع بعد ذلك جعل العمارات التي بنيت لمحاربة السكن الصفيحي تتحول، مع مرور السنوات، إلى عنوان صارخ على سوء تدبير الزمن الإداري.
شقق انتهى بناؤها سنة 2015… فمن كان ينتظر من؟
المعطيات التي نشرتها عدة منابر إعلامية، استناداً إلى مراسلات وفعاليات محلية، تشير إلى أن أشغال المشروع، انتهت نهاية سنة 2015، وأن شركة «سامير» كانت قد أنجزت الجزء المتعلق بالتشييد والتجهيز.
لكن الشقق، لم تصل إلى أصحابها.
ثم جاءت سنة 2016، ودخلت شركة «سامير» مسطرة التصفية القضائية، وهو ما اعتبر سبباً في تعذر استكمال بعض الإجراءات وتسليم الشقق إلى المستفيدين.
ومنذ ذلك الحين، دخل المشروع في متاهة طويلة من الإجراءات والمساطر والتأجيلات.
2016…
2017…
2018…
2019…
2020…
ثم توالت السنوات.
أما الشقق، فبقيت تنتظر.
والأسر التي كان يفترض أن تسكنها، بقيت بدورها تنتظر.
وكأننا أمام مشروع، لا تنقصه العمارات، وإنما تنقصه النهاية.
من مشروع اجتماعي إلى بنايات تتعرض للتخريب
في يوليوز 2020، بدأ الحديث عن تخريب المشروع وضياعه، وطالب البعض بالتدخل لإنقاذه وتوزيع الشقق على مستحقيها.
وهنا تبرز المفارقة التي يصعب استيعابها:
كيف يمكن لمشروع، أن يُنجز أصلاً لمحاربة الفقر والسكن الصفيحي، ثم يتحول بعد سنوات، إلى فضاء مهجور تتعرض بناياته للإتلاف؟
كيف يمكن أن تُصرف الأموال على البناء والتجهيز، ثم يتعذر القيام بالخطوة الأخيرة والأبسط في ظاهرها:
تسليم المفاتيح إلى أصحابها؟
هل كان بناء العمارات هو المشكلة؟
أم أن المشكلة، بدأت بعد انتهاء البناء؟
لأننا هنا لا نتحدث، عن مشروع لم يكتمل.
نتحدث عن مشروع اكتمل بناؤه، ولم تكتمل مهمته الاجتماعية.
وهذه ربما هي المفارقة الأكثر إيلاماً.
2025… العمارات تتحول إلى «أطلال»
وفي 2025، ظل الملف حاضراً في التغطيات المحلية، حيث تحولت العمارات إلى أطلال بعد تعرضها للإتلاف والتخريب، وأعيد طرح مطلب فتح تحقيق في الأسباب التي أدت بالمشروع إلى هذا المصير.
وهنا لم يعد السؤال متعلقاً فقط بـ100 شقة.
لقد أصبح السؤال متعلقاً بـالمسؤولية.
من كان مسؤولاً عن تتبع المشروع؟
من كان مسؤولاً عن استكمال الإجراءات؟
من كان يفترض أن يحمي العمارات من التخريب؟
ومن كان يفترض أن يتساءل، بعد أشهر أو سنة أو سنتين:
لدينا شقق جاهزة وأسر تنتظر… فلماذا لا يتم التسليم؟
لا يتعلق الأمر هنا، باتهام شخص أو مؤسسة بعينها.
بل يتعلق بحق مشروع في معرفة أين تعثرت سلسلة القرار، ومن يتحمل مسؤولية ضياع سنوات من الزمن، وأموال صرفت، ومشروع كان يفترض أن يحقق هدفاً اجتماعياً واضحاً.
2026… المفارقة تصبح أكثر قسوة
ثم جاءت سنة 2026، لتكشف مفارقة تكاد تختصر القصة كلها.
فبعد هدم كاريان البرادعة في يناير، وجدت عشرات الأسر نفسها في وضع اجتماعي صعب، خصوصاً تلك التي لم تجد سكناً بديلاً أو لم تعد قادرة على تحمل تكاليف الكراء، في انتظار حلول وبرامج إعادة الإيواء.
وفي خضم هذه الأزمة، طُرح اقتراح الاستفادة مؤقتاً من الشقق التابعة لـ«سامير» والقريبة من الكاريان.
بل إن البعض تحدث عن 102 شقة يمكن أن تستعمل مؤقتاً لإيواء الأسر المتضررة، معتبراً أن إنقاذ هذه الشقق، يمكن أن ينقذ في الوقت نفسه الأسر، من معاناة السكن والعمارات من مزيد من التلف.
وهنا تصبح المفارقة جارحة:
أسر بلا سكن… وشقق بلا أسر.
ناس يبحثون عن سقف… وعمارات تبحث عن سكان.
كاريان يُهدم في إطار محاربة السكن غير اللائق… وشقق أنجزت أصلاً لمحاربة السكن غير اللائق بقيت خارج الاستعمال!
فأي مفارقة أكبر من هذه؟
من «محاربة الصفيح» إلى الخوف من ضياع المشروع نفسه
كان يمكن لهذا المشروع، أن يكون قصة نجاح حقيقية.
«سامير» تساهم في محيطها الاجتماعي.
المبادرة الوطنية للتنمية البشرية توفر الإطار.
السلطات تضمن التتبع.
الأسر تستفيد.
والمدينة تتخلص من جزء من السكن الصفيحي.
لكن ما حدث، وفق المعطيات المنشورة، هو أن الحلقة الأخيرة، لم تكتمل.
وهكذا تحول:
مشروع اجتماعي إلى ملف إداري،
والملف الإداري إلى بنايات مهجورة،
والبنايات المهجورة إلى أطلال،
والأطلال إلى سؤال كبير عن المسؤولية.
والآن، بعد مرور أكثر من عشر سنوات على انتهاء الأشغال، يصبح من حق سكان المحمدية، أن يسألوا بصراحة:
ما هو الوضع القانوني والعقاري لهذه الشقق اليوم؟
ومن يملكها؟
ومن يدبرها؟
ومن يقرر مصيرها؟
وهل ما زالت مخصصة للهدف الاجتماعي الذي أنشئت من أجله؟
والأخطر… أن تتحول «الهمزة» إلى غنيمة
وهنا نصل إلى النقطة التي تستحق، في نظرنا، أقصى درجات الانتباه.
نحن لا نتهم أحداً.
ولا نقول إن هناك جهة معينة، تستعد للاستفادة من المشروع.
ولا نملك، إلى حدود ما أمكن التحقق منه، أي دليل يثبت وجود صفقة أو تفويت، لفائدة شخص أو جهة بعينها.
لكننا نخشى شيئاً آخر.
نخشى أن يؤدي استمرار الغموض والإهمال وترك العقار لسنوات خارج الاستعمال إلى فتح الباب، يوماً ما، أمام سيناريو لا علاقة له بالهدف الذي أنشئت من أجله هذه العمارات.
فمثل هذه العقارات، خصوصاً في مدينة تعرف قيمة الأرض والعقار، يمكن أن تتحول من مشروع اجتماعي إلى «همزة» تسيل لعاب أسماء معروفة… ولن نزيد.
وهذا تحديداً، ما يجعل فتح الملف اليوم أكثر إلحاحاً.
لأن ترك مشروع اجتماعي بهذا الحجم، دون حسم واضح في وضعيته القانونية والإدارية والعقارية، لا يخدم أحداً.
والأهم أنه قد يجعل المواطن يتساءل:
هل ستبقى هذه الشقق مخصصة للفئات التي أنشئت من أجلها، أم أن الزمن والإهمال سيجعلانها في النهاية لقمة سائغة لمن يعرف كيف يقتنص الفرص؟
نحن لا نريد أن نستبق الأحداث.
لكننا نريد قطع الطريق على أي تأويل أو استغلال أو تفويت غير واضح.
والأفضل من كل ذلك، أن تخرج الجهات المعنية، إلى الرأي العام وتقول بوضوح:
هذا هو الوضع القانوني للمشروع، وهذه هي ملكيته، وهذه هي الجهة المسؤولة عنه، وهذا هو مصيره، وهذه هي الأسر التي يفترض أن تستفيد منه.
وبذلك فقط، يمكن إغلاق باب الشائعات والتخمينات.
ومن حق المحمدية أن تعرف
اليوم، لم يعد المطلوب المزيد من الوعود.
المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة.
ما هي الاتفاقية التي أبرمت بين «سامير» والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية؟
ما هي الالتزامات التي نفذتها الشركة؟
وما هي الالتزامات التي بقيت عالقة؟
لماذا لم يتم تسليم الشقق منذ انتهاء الأشغال سنة 2015؟
ما الذي حال دون استكمال التقسيم العقاري، والتسجيل والتحفيظ؟
ما وضعية الربط بالماء والكهرباء والصرف الصحي؟
من كان مسؤولاً عن حماية المشروع؟
ما حجم الأضرار التي لحقت بالعمارات، بسبب سنوات الإهمال؟
وما هي كلفة إعادة تأهيلها اليوم؟
والأهم:
من يملك هذه الشقق والعقار الذي توجد فوقه، ومن يملك قانوناً صلاحية تقرير مصيرها؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً.
إنها حق للمدينة، وحق للأسر التي كان يفترض أن تستفيد، وحق لكل مواطن يريد أن يعرف مصير مشروع اجتماعي أنجز باسم التنمية ومحاربة السكن غير اللائق.
لأن أسوأ ما يمكن أن يحدث لمشروع اجتماعي، ليس أن يفشل يوم انطلاقه.
الأسوأ أن ينجح في البناء… ويفشل في الوصول إلى الإنسان.
وفي حالة عمارات البرادعة، تبدو المفارقة واضحة ومؤلمة:
بُنيت لمحاربة الصفيح… فتحولت، مع مرور السنوات، إلى أطلال.
والآن، بعد أكثر من عشر سنوات على انتهاء الأشغال، لم يعد السؤال:
متى ستُسلَّم الشقق؟
بل أصبح السؤال أخطر:
هل ما زال هناك من يريد إنقاذها فعلاً؟
وقبل أن تتحول هذه العمارات إلى صفقة عقارية محتملة، أو إلى «همزة» يتنافس عليها أصحاب النفوذ والمصالح، فإننا نعتقد أن الوقت قد حان لوضع الملف فوق الطاولة، بكل وثائقه ومساطره وملكياته ومسؤولياته.
فالملك العمومي أو العقار ذي الهدف الاجتماعي لا ينبغي أن يكون غنيمة لمن يأتي متأخراً… ولا ينبغي أن يصبح الإهمال نفسه طريقاً إلى الاستحواذ.
والمحمدية، في نهاية المطاف، تريد جواباً بسيطاً:
100 شقة بُنيت لمحاربة الصفيح… لماذا لم تصل إلى أهلها؟ ومن يحميها اليوم من أن تتحول من مشروع اجتماعي إلى «همزة» عقارية؟




