مهرجان تطوان للمسرح بين دعمٍ متأخر و«الحراز» المثير للجدل: أسئلة معلّقة في كواليس الثقافة المغربية

كتب: زكريا سامي
تنطلق مساء اليوم الجمعة 14 نونبر فعاليات الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للمسرح بمدينة تطوان، وتستمر إلى غاية 21 من الشهر نفسه. دورة تبدو مختلفة تماماً عن سابقاتها، إذ يخيم عليها جوٌّ غير عادي من التوتر بين وزير الثقافة محمد مهدي بنسعيد والمسرحيين المغاربة، وذلك لسببين رئيسيين:
أولاً، تأخر صرف الدعم المالي المخصص للفرق المسرحية المستفيدة من برنامج الدعم برسم موسم 2025.
وثانياً، الجدل المحتدم حول المعايير المعتمدة لانتقاء العروض المشاركة في المنافسة الرسمية للمهرجان.
أزمة الدعم المالي: إحراج وشلل مهني
يتعلق موضوع تأخر صرف الدعم بكل الفرق المستفيدة بلا استثناء، بما فيها الفرق المشاركة في هذه الدورة، والتي وجدت نفسها في موقف بالغ الحرج أمام الفنانين العاملين معها، بعدما عجزت حتى عن تغطية مصاريف التنقل إلى تطوان، فضلاً عن تسليم المستحقات والتعويضات.
هذه الوضعية، التي باتت شبه اعتيادية لدى وزارة بنسعيد، تحدث في وقت يُلاحظ فيه صرف مبالغ «سخية» لفائدة مقربين من الوزير وحزبه وشبيبته خارج المساطر القانونية للدعم، على حد تعبير فاعلين في القطاع.
ويتساءل المسرحيون: كيف يُطلب من فرقة مسرحية تنفيذ مقتضيات العقد، وإنتاج عرضها، وتقديمه، واستكمال كل التزاماتها قبل أن تتلقى الدفعات المالية الثلاث المنصوص عليها قانوناً، بينما الوزارة لم تصرف لحد الآن درهماً واحداً؟
والأدهى من ذلك أن بعض الفرق لم تتوصل بعد بمستحقاتها الخاصة بموسم 2024 أصلاً! فكيف يمكن للمسرح المغربي أن ينهض ويتطور في ظل هذه الظروف البئيسة، ومع ضعف آليات الإنتاج والتسويق، وتراجع الدعم، ولامبالاة القطاع الوصي؟
معايير الانتقاء… سؤال المصداقية
الشق الثاني من الأزمة يتعلق بالمقاييس المعتمدة لاختيار العروض المشاركة، وهو موضوع يتكرر كل سنة ويثير موجة من التساؤلات داخل الوسط المسرحي.
فالوزارة تعتمد لجنة خاصة تقوم باختيار العروض بعد معاينتها على حوامل إلكترونية، وهو أسلوب لطالما انتقده الفنانون معتبرين أن المشاهدة الحية وحدها كفيلة بتقدير جودة العمل.
ويطرح المسرحيون سؤالاً بسيطاً: لماذا لا تعتمد الوزارة على رأي لجنة الدعم التي شاهدت طيلة السنة غالبية عروض الموسم فوق الركح، بحكم مهامها الرقابية؟
الوزارة تجيب بأن لجنة الدعم لا تشاهد إلا العروض المدعومة، وأن الترشيحات غير المدعومة تلزم الجميع بإرسال فيديو على حامل إلكتروني.
لكن هذا التبرير مردود، كما يقول المسرحيون، لأن أغلب العروض المترشحة تكون مدعَّمة أصلاً، كما هو الحال في هذه الدورة، حيث لا يتجاوز عدد الأعمال غير المدعومة عرضاً أو عرضين.
قائمة عروض الدورة:
-
«تخرشيش» — فرقة المسرحيين المتحدين (فاس).
-
«أدناس» — فرقة ذاكرة قدماء ذاكرة مدينة (خريبكة).
-
«مواطن اقتصادي» — فرقة محترف الفدان (تطوان).
-
«الحراز» — فرقة الكواليس للفن والثقافة (الرباط).
-
«رحلة» — فرقة فركانيزم (سلا الجديدة).
-
«منذ متى كانت الأرض كروية» — فرقة مسرح الشامات (مكناس).
-
«عظم السما» — فرقة معمل التكوين والبحث الدرامي (أكادير).
-
«ممانعة» — فرقة هيبآرت للثقافة والفنون (فاس).
-
«فيرتيج» — فرقة دار الفن للمسرح (فاس).
-
«حيحا» — فرقة البساط للمسرح (بنسليمان).
-
«يوم الإبحار» — فرقة ديبار للفنون والثقافات (مراكش).
-
«غروب» — فرقة أوريكا (الرباط).
«الحراز»… العرض الذي فجر الجدل
قائمة العروض تضم فرقاً محترفة اكتسبت سمعة وطنية وعربية، وسبق أن توِّجت في عدة مهرجانات، لكن نقطة الخلاف هنا تتعلّق بالمعيار القانوني والأخلاقي لاحتساب عرضٍ تحت اسم فرقة لا يبدو أنها أنتجته فعلاً.
ويتعلق الأمر بعرض «الحراز» المنسوب لفرقة «الكواليس للفن والثقافة» بالرباط، علمًا أن العرض من إنتاج وإشراف وتمويل المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي (ليزاداك)، وهو عمل أنجزه طلبة الدفعة الأخيرة للمعهد، الذين لم يتسلم معظمهم بعد ديبلومات التخرج. وقد قُدّم العرض لأول مرة باسم طلبة «ليزاداك» على مسرح محمد الخامس بالرباط يوم الأحد 26 أكتوبر الماضي.

فلماذا تم إدراج العمل باسم فرقة لا علاقة لها بإنتاجه؟ وهل ثمة محاولة لتمريره داخل المنافسة «خارج المسطرة»؟ وإذا كانت الرغبة تشجيعاً للشباب، ألم يكن من الأنسب برمجة العرض خارج المنافسة وتكريم الطلبة عبر إسناد مكان شرفي لهم في افتتاح المهرجان؟
أسئلة موجعة
كيف قبلت فرقة «الكواليس» تبنّي عمل لم تُنفق على إنتاجه؟
ماذا عن لجنة الانتقاء: ألا تعلم أن العرض قدم باسم طلبة المعهد قبل أسابيع؟
ما موقف إدارة المهرجان وإدارة المعهد وطاقمه التربوي؟ وكيف تلقى الخريجون الجدد هذا الوضع؟
وكيف سيكون موقف لجنة التحكيم التي قد تُقيّم عرضاً برمج خارج المساطر؟
لعل الحل الأبسط والأقرب للإنصاف هو قبول تقديم العرض على أن يُعتبر خارج المنافسة، أو أن يتدخل وزير الثقافة للاعتذار للشباب ومحاسبة من تسبب في هذا الالتباس لتلطيف أجواء المنافسة وضمان الحد الأدنى من تكافؤ الفرص.
كلمة أخيرة
يؤسفننا أن ننبش في هذا الموضوع الحساس، لكن السكوت خيانة. من المؤلم أن يتحول نجاح الشباب إلى إخفاق ابتدائي، وأن يصبح المسرح – مفترضًا أن يكون فضاءً للحرية والصدق- عرضة لممارسات تسيء إليه وإلى مبدعيه.




