الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مهن لا تعترف بالتقاعد… حين يصبح العطاء قدَرًا لا وظيفة

ضربة قلم

في مجتمعاتنا، يُقاس التقاعد عادة ببلوغ سنّ قانونية، تُغلق معها ملفات العمل وتُفتح أبواب الراحة المستحقة. غير أن هذا المنطق لا يسري على جميع المهن، فهناك مجالات لا تعترف بالتقاعد لا نصًا ولا واقعًا، لأن الممارسة فيها، ليست مجرد وظيفة، بل أسلوب حياة، بل أحيانًا قدر لا فكاك منه.

في مقدمة هذه المهن، تقف الصحافة شامخة ومتعبة في الآن ذاته. مهنة لا تمنح أبناءها تقاعدًا حقيقيًا، ولا تَعِدُهم غالبًا بشيخوخة هادئة. الصحافي يشيخ وهو يكتب، ويهرم وهو يطارد الخبر، وقد يسقط قلمه من يده، قبل أن يحصل على أدنى شروط العيش الكريم.

صحيح أن الجسم الصحافي ابتُلي في السنوات الأخيرة، بنماذج هجينة وغريبة، أفرزها زمن “صحافي البورطابل” و”المحتوى السريع”، حيث اختلطت المهنة بالاستعراض، وتحول الخبر إلى سلعة، وأضحى بعض المنتسبين إلى الصحافة، يتنافسون في استعراض الثراء، لا في الدفاع عن الحقيقة. لكن هذا الوجه الصاخب، لا يجب أن يحجب واقعًا أكثر قسوة، يتمثل في عشرات، بل مئات الصحافيين الذين أفنوا أعمارهم في الميدان، ومات بعضهم فقراء، بينما لا يزال آخرون يقاومون الهشاشة في صمت موجع.

الصحافة، في جوهرها، لا تعرف التقاعد، لأن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عن الكتابة، حتى حين يتوقف الراتب. هناك من تجاوز العقد السابع، وما زال يكتب بنفس الحماسة، لا لأنه يريد، بل لأنه لا يعرف كيف يتوقف. القلم أو لوحة المفاتيح بيده ليس أداة عمل فقط، بل وسيلة بقاء، وربما وسيلة مقاومة ضد النسيان.

ولا تختلف حال مهنة المحاماة كثيرًا عن هذا الواقع. فالمحامي لا يُحال على التقاعد بالمعنى الفعلي، لأن الترافع ليس مجرد حرفة، بل تراكم تجربة، واحتكاك دائم بالقانون والناس والوقائع. كثير من المحامين يستمرون في العمل إلى سن متقدمة، لأن الاعتزال يعني بالنسبة إليهم، فقدان الدور والمكانة، وأحيانًا فقدان المورد الوحيد للعيش.

أما مهنة الطب، بمختلف تخصصاتها، فهي الأخرى لا تعترف بالتقاعد إلا على الورق. الطبيب يظل طبيبًا حتى وهو خارج المستشفى أو العيادة. خبرته لا تُحال على المعاش، وذاكرته المهنية تظل مطلوبة، سواء للاستشارة أو للتكوين أو للتدخل عند الحاجة. كثير من الأطباء يواصلون العمل بدافع أخلاقي، وآخرون بدافع مادي صِرف، لأن التقاعد في حد ذاته، لا يكفي لضمان حياة مستقرة أو مرحة.

القاسم المشترك بين هذه المهن، أنها تقوم على العقل والخبرة، لا على الجهد العضلي، لكنها تحمل مفارقة قاسية، إذ تستنزف الجسد والنفس أكثر مما يُعتقد، دون أن تضمن لأصحابها، في نهاية المطاف أي أمان اجتماعي منصف.

مهما اختلفت أوضاع ممارسي هذه المهن، ومهما تباينت ظروفهم المادية، من شخص إلى آخر، فإن قيمتها لا تُقاس بما يدرّه الدخل، ولا بما يُراكم من ثروة. فهي، في جوهرها، مهن ذات رسالة إنسانية، قبل أن تكون مصدر عيش. الصحافة، والمحاماة، والطب، وغيرها من المهن الفكرية، تظل مرتبطة بالإنسان وهمومه وحقوقه وآلامه، بغضّ النظر عن الوضع الاجتماعي أو المادي لمن يمارسها.

قد يكون بعض المنتسبين إليها، في وضع مريح، وقد يعاني آخرون من الهشاشة، بل إن الفقر كثيرًا ما كان، رفيق عدد كبير من الصحافيين عبر التاريخ، دون أن ينتقص ذلك من قيمة ما قدّموه ولا من شرف المهنة نفسها. فالمكانة الاعتبارية لهذه المهن لا تُستمد من الحساب البنكي، بل من أثرها في حياة الناس، ومن دورها في الدفاع عن الكرامة والحق والحقيقة.

لهذا تبقى هذه المهن محترمة، إنسانية، وضرورية، لأنها تمس جوهر الوجود الإنساني، وتضع صاحبها في تماس مباشر مع المجتمع، لا كفاعل اقتصادي فقط، بل كضمير حي وشاهد ومسعف ومدافع، مهما كانت قسوة الواقع أو محدودية العائد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.