الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

مواطن صالح… حتى إشعار آخر!

ضربة قلم

أن تكون “مواطنًا صالحًا” في المغرب، فهذا مشروع وجودي يحتاج إلى طاقة ذهنية وروحية خارقة، وأحيانًا معجزة سماوية على شاكلة “نزول مطر في عز الصيف دون أن يغرقنا”، أو “أن تحصل على وثيقة من المقاطعة دون أن تُصاب بجلطة دماغية أو انهيار عصبي”. المواطن الصالح، في هذه البلاد، ليس هو الذي يحترم القانون، بل الذي مازال يؤمن بوجوده رغم كل الدلائل على غيابه.

يبدأ يوم المواطن الصالح قبل أن يرنّ المنبه. يستيقظ مذعورًا من حلم رآه فيه موظف يستقبله بابتسامة! يذهب ليتوضأ، لكنه يكتشف أن الماء مقطوع منذ الفجر “لأشغال ضرورية”، ثم يجد أن الشارع الذي يسلكه للعمل قد تم حفره للمرة الخامسة في أقل من سنة، كل مرة باسم شركة مختلفة، وكل مرة “تحسينًا للبنية التحتية”، حتى صارت الحفر ذات بنية فوقية محترمة أكثر من البنايات.

يصل إلى إدارة ما… أي إدارة! ويقف في طابور طويل يشبه الطابور ذاته الذي وقفه أمس، ويبدو أن نفس الأشخاص لا زالوا واقفين، بنفس تعبيرات الوجوه، وكأن الزمن توقف، فقط الموظف تغيّر، وهو الآن في حالة شرود كوني بعد أن تناول “شباكية” باردة مع شاي فاتر داخل المكتب.

يريد هذا المواطن أن يكون صالحًا، يهمس لنفسه: لا ترشِ أحدًا! لا تسبّ! لا تنفعل! ولكن تأتيه همسات الشيطان البيروقراطي: “دير شي شوية ديال القهوة راه تيسلك”، “كاع ما عندي ما ندير ليك بلا ما تصيفط شي واحد”، “اللي بغا يخلاص يخلاص، اللي ما بغا، الباب”.

ورغم كل هذا، يتمسك المواطن الصالح بحلمه في البقاء نزيهًا، لكنه يُبتلى بسلسلة اختبارات يومية تجعل بوذا نفسه يصرخ: “باراكا!”.

في الحافلة، يكتشف أن التذكرة تُطلب من الأبرياء فقط، أما من يجلس على الكرسي المكسور وهو يضع قدميه فوق لوحة “ممنوع التدخين”، فهو ابن عم السائق أو واحد “ديال المعارف”. وعندما يتجه إلى المستشفى، يُطلب منه إحضار دواء غير موجود لأنه “خارج اللائحة”، وطبيب يشبه المتنبي حين يقول: “إذا رأيتني أضحك في وجوه الناس فاعلم أنني أكتب شهادة الوفاة في السر”.

هذا المواطن… الذي يحاول عبثًا أن يكون صالحًا في منظومة تلعب معه لعبة الغميضة بالقانون… يعرف تمامًا أنه إن عبر الشارع في الممر، قد تصدمه سيارة تمشي فوق الرصيف، وإن رمى نفاياته في الحاوية، ستُفرغ أمام منزله، وإن أدى ضرائبه، سيُكافأ بارتفاع الأسعار.

لكن الغريب في الأمر، أن هذا المواطن الصالح لا يثور. لا يقطع الطريق. لا يضرب أحدًا. لا يهاجر في قوارب الموت (إلا نادرًا، حين تنفذ مسكنات الصبر). فقط يبتسم بمرارة، ويقول: “الله يعفو عليهم، راه ماشي كاملين خايبين”، قبل أن يدخل في نقاش فلسفي وجودي عميق مع نفسه حول معنى كلمة “خايبين”، وهل هي توصيف أم حكم قيمة.

وعندما يسأله أحد أطفاله الصغار: “بابا، علاش ما كنعيشوش بحال الناس في البلدان اللي فالأخبار؟”، يرد بعفوية مصطنعة: “حنا حسن منهم، غير خاصنا شوية ديال التنظيم… وشوية ديال الخدمة… وشوية ديال الضمير”، في حين أن الحقيقة تقول إننا نحتاج إلى معجزة جماعية، أو على الأقل إلى نسخة مغربية من “باتمان” تعيد التوازن لعالمٍ قرر أن يكون الشر فيه هو القاعدة.

ومع ذلك، ما زال هذا المواطن يحتفظ بشهادة حسن السيرة في جيبه، وإن كانت مطوية ومغبرة ومبقعة ببعض دموع الغضب. لا لشيء، إلا لأنه، رغم كل ما يعيشه، مازال يعتقد – وربما هذا أسوأ ما فيه – أن المغرب يستحق أن يكون أفضل.

مواطن صالح… إلى أن يصدر إشعار جديد من وزارة الأمل أو من قسم المستحيلات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.