الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

الرأي

موت الأم: اللحظة التي يفقد فيها العالم دفئه

محمد صابر

في هذا اليوم، الذي تحلّ فيه الذكرى الخامسة لرحيل والدتي المرحومة مليكة صبري، يعود البحث عن ذلك الصوت، الذي كان يسبق الخوف ويهزم القلق، وعن تلك اللمسة، التي كانت تُعيد ترتيب الفوضى في القلب، قبل أن تمسّ الجسد، وعن تلك النصائح، التي لم تكن أوامر، بقدر ما كانت ضوءًا، يُهتدى به في العتمة. لم تكن الأم حضورًا بيولوجيًا عابرًا، في حياة أبنائها، بل كانت مدرسة قائمة بذاتها، ولغة أخرى للحياة، وضميرًا أخلاقيًا، يتشكّل في الذاكرة، قبل أن يتجسّد في السلوك.

كانت تفاصيل الأيام، تُقرأ من خلال عينيها: متى ينبغي الحذر، ومتى يجوز الاطمئنان، وكيف يمكن للإنسان، أن يكون قويًا دون أن يكون قاسيًا، وأن يكون رحيمًا، دون أن يكون ضعيفًا. كل ما تعلّمه الأبناء لاحقًا عن الصبر، وعن الاحتمال، وعن معنى التضحية الصامتة، كان قد كُتب أولًا، في ملامح وجهها المتعب، وفي خطواتها التي لا تتوقف، وفي دعائها، الذي يُقال دون أن يُسمع.

غيابها لم يكن حدثًا عابرًا في الزمن، بل تحوّل إلى فراغٍ يوميٍّ، يتسرّب إلى التفاصيل الصغيرة: إلى المائدة التي فقدت دفئها الأول، إلى المساء، الذي صار أطول من المعتاد، وإلى الأسئلة البسيطة، التي لم يعد لها جواب جاهز. رحلت عن العيون، لكن صورتها، ظلّت عالقة في زوايا الذاكرة، تظهر كلما تعثّر الطريق، أو اشتدّ التعب، وكأنها ما زالت تؤدي وظيفتها القديمة: الحراسة الروحية، لمن تركتهم خلفها.

لم يكن حضور والدتي المرحومة، في الحياة حضورًا عابرًا، بل كان تأسيسًا لمعنى الاستمرار. فقد تركت في القلوب، نظامًا داخليًا للحب، وطريقة خاصة، لفهم الناس، وميلًا دائمًا إلى العفو، بدل القسوة، وإلى الإصغاء، بدل الإدانة. حتى الكلمات التي كانت تقولها عرضًا، تحوّلت بعد رحيلها، إلى قوانين غير مكتوبة، تُطبَّق دون وعي، وتُورَّث دون أن تُنطق.

إن فقدان الأم، لا يعني فقط خسارة شخص، بل خسارة شكلٍ من أشكال الأمان الوجودي. هو فقدان المرآة الأولى، التي يرى فيها الإنسان نفسه، مقبولًا دون شروط، ومحبوبًا دون مقابل. ومع ذلك، فإن الأثر الذي تتركه، لا يذوب في الغياب، بل يتحوّل إلى سلوك، إلى ذاكرة حيّة، وإلى وصايا غير منطوقة، تُرافق الحياة في كل مراحلها.

هكذا تستمر الأم بعد الرحيل: لا جسدًا يُرى، بل معنى يُمارَس. لا صوتًا يُسمع، بل ضميرًا يُوقَظ. لا حضنًا ملموسًا، بل طمأنينة خفيّة، تسكن الأعماق. ويبقى الإرث الحقيقي، ليس في الصور وحدها، ولا في الذكريات فقط، بل في الطريقة، التي نحبّ بها الآخرين، وفي الطريقة، التي نتحمّل بها قسوة العالم، وفي الطريقة، التي نُعيد بها، إنتاج الحنان في وجوه جديدة.

لم يكن الصبر عندها خُلقًا عابرًا، بل أسلوب حياة. كانت تمارس نكران الذات بصمت، وتقدّم العائلة على نفسها، كما لو أن ذلك قدرها الجميل. حبّها للأسرة، لم يكن شعارًا، بل فعلاً يوميًا، يتجسد في تفاصيل صغيرة، لا يراها إلا من عاش قربها.

أما علاقتي بها، فلم تُختصر يومًا في كونها أمًّا فقط؛ كانت أختًا حين أحتاج القرب، وصديقة حين أحتاج الكلام، وأمًّا حين أحتاج السند. كانت تفهم صمتي، أكثر مما تفهم الكلام، فتلتزم الصمت، حين تراني صامتًا، وتضحك ملء قلبها، لا ملء فمها فقط، حين تراني أضحك، كأن فرحي كان امتدادًا لفرحها.

رحلت والدتي المرحومة مليكة صبري، لكن أثرها لم يرحل. غابت عن العين، غير أن حضورها، ظلّ ممتدًا في كل لحظة ضعف، وفي كل لحظة نجاح، وفي كل موقف، يحتاج إلى قلبٍ كبير، يشبه قلبها. وهكذا، تصبح الذكرى، ليست حزنًا خالصًا، بل مسؤولية أخلاقية: أن يبقى ما زرعته حيًّا، وأن يظل الحب الذي علّمته، قابلًا للانتقال، من جيل إلى جيل، كأنها لم تغب، بل غيّرت فقط شكل وجودها.

وفي كل يوم، أمشي فيه على الطريق، الذي علّمتني اختياره، أكتشف أن صبرها ونكران ذاتها، ما زال يوجّه خطواتي، وأن ضحكتها، حتى في صمتها، ما زالت تسكن قلبي. هي ليست ذكرى مضت، بل دليل مستمر على أن الحب الحقيقي، حين يُعاش، لا يزول أبدًا، بل يتحول، إلى حياة حية، فينا نحن الذين أحبّناها.

ملاحظة ختامية: هذا مقال وجداني، مرفق بصورة قديمة للمرحومة، تعبيرًا عن الحضور الذي لا يشيخ في الذاكرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.