الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعرياضة

مونديال 2026.. انتهى البث

محمد رياض/ أستاذ وكاتب

طوت الجماهير الرياضية صفحة منافسات مونديال 2026، وهي تحمل مزيجًا قويًا من انفعالات الفرح والخيبة، لتفسح المجال أمام أسئلة سوسيولوجية وتربوية أعمق، تتجاوز حدود المستطيل الأخضر ومجريات التنافس الكروي. إن متابعة هذا الحدث العالمي، لا تقف عند حدود الاستمتاع اللحظي أو الانغماس الشغوف في تفاصيل المباريات والمقارنات الرقمية، بل تشعل في الوجدان الجمعي هاجسًا مؤرقًا حول التحولات الجذرية وآليات التغيير المجتمعي. ويزداد هذا الهاجس عمقًا حين ينبع من الانتماء إلى جغرافية غنية بمواردها الطبيعية والبشرية، عريقة بتاريخها، لكنها تظل في حاجة ماسة إلى استثمار حقيقي ورشيد لهذه الموارد، خاصة اللامادية منها: عقول قادرة على تفكيك هذه الظواهر وتحويل الطاقة الرمزية للرياضة، إلى رافعة تنموية ترتقي بالمجتمع والإنسان.

لقد حملت الجماهير المغربية أمنيات عريضة بأن يتوج المنتخب الوطني باللقب العالمي، وهي أمنيات مشروعة، وإن كانت تصطدم منطقيًا بالواقع البنيوي والإمكانات الشاملة المحددة لموازين القوى في الرياضة الحديثة. إن المراهنة على تحقيق الألقاب العالمية، تقتضي الابتعاد عن القراءات الانفعالية ورهانات الحظ، واستبدالها برؤية استراتيجية، تدرك أن الرياضة هي نتاج طبيعي للمؤسسات الفاعلة والمنتجة، والبيئة التربوية والاجتماعية المثمرة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستمرار في تدبير اللعبة بإرادة أقوى وأنضج، مع توفير الشروط الذاتية والموضوعية العملية، وتطوير أساليب الحكامة الرياضية، هو الطريق الوحيد لتحويل الطموحات الشغوفة إلى منجزات واقعية في الاستحقاقات الرياضية القادمة.

ومن منظور تحليل الظواهر الاجتماعية، يعد التعامل مع كرة القدم بوصفها مجالًا حيويًا لاستيعاب الديناميات النفسية والاجتماعية ضرورة ملحة، إذ تظل الظاهرة الرياضية من أكثر الأدوات قدرة على صياغة الهوية الجماعية وتأطير السلوك الفردي، لئلا يحيد عن روح الرياضة وأخلاقها. لقد عاينا بوضوح ما رافق مشاركة بعض المنتخبات العربية من سلوكات، إذ كشفت التفاعلات الجماهيرية عن اختلالات نفسية وتربوية، تجسدت في متناقضات حادة برزت على منصات التواصل الاجتماعي: مناوشات جماهيرية حادة، وتنمر شديد، واستقطاب متبادل بين التبخيس والشماتة والتهويل والتمجيد المفرط، وهو سلوك يعكس الوعي الشقي والبائس لدى قطاع عريض من الجمهور العربي، تحول معه ذلك التنافس الرياضي الشريف إلى صراع هوياتي ضيق وشوفينية مقيتة.

إن هذه الهشاشة الأخلاقية والانفعالية، تعكس حاجة ماسة إلى التأسيس لثقافة رياضية واعية، وذلك ضمن مشروع مجتمعي شامل، تضع اللعبة في حجمها الطبيعي، وتتجاوز الرؤى التي تجعل اللعبة ساحة لإسقاط الخلافات السياسية والاختلافات الثقافية، أو تلك التي تسارع إلى اختزالها في المقولة النمطية: «الكرة أفيون الشعوب».

لقد قدم المونديال درسًا بليغًا في كيفية إدارة الرياضة، في عصر الثورة الرقمية والتنظيم اللوجستي المعقد، فالنجاح الباهر للتنظيم، وجودة البث التلفزيوني، والترويج الإعلامي، ومتعة الأداء الكروي، كلها عوامل، تؤكد أن الكرة لم تعد مجرد لعبة تعتمد على الموهبة الفطرية، بل هي صناعة وفن وعلم قائم على التدبير العقلاني، والتخطيط الدقيق، والتكوين الأكاديمي طويل الأمد. فلم يفز في النهاية بالكأس ذوو الآمال الطيبة ولا الشعارات الحماسية، بل فاز بها من امتلك مشروعًا رياضيًا متكاملًا نضج على نار هادئة.

أخيرًا، يبدو لي أن الرابح الأكبر بين متتبعي هذه النسخة المونديالية، هو ذلك المشاهد الواعي الذي تابع البطولة مستمتعًا بفنون اللعبة، وفنيات اللاعبين، ومهاراتهم الفردية والجماعية، مستلهمًا أسرار التفوق الرياضي والتقني والعلمي، متجردًا من الهواجس البائسة والأفكار المتكلسة والآمال الخاسرة، ومتعاملًا مع كرة القدم، بوصفها مسرحًا للمتعة ومجالًا لاستخلاص الدروس والعبر، وليست ساحة بديلة لتعويض انكسارات الواقع وتفريغ شحنات وعي شقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.