
ضربة قلم
كثيرون من المغاربة الذين ما زالوا يحتفظون بما تبقى من الغيرة على هذا الوطن الجميل ـ رغم محاولات التغريب والتسفيه والتفقير ـ يعيشون اليوم على أعصابهم بانتظار لحظة الحقيقة: مونديال 2030. المناسبة التي يُفترض أن تكون عرساً كروياً عالمياً، تحولت في مخيال عدد من المواطنين إلى موعد مع القلق الوطني، والسبب؟ ليس فقط المنافسة الكروية، بل تلك “اللعبات الجانبية” التي نخشى أن تُعرض على شاشات العالم، لا من ملاعب طنجة ولا ملاعب مراكش، بل من خلف الكواليس… من أزقة لا تعرف لا الفيفا ولا الفوت.
هناك من يتخوف من المتسولين الذين، بقدرة قادر، قد يتحولون من مرض اجتماعي إلى وفد دبلوماسي بديل. تصوّر فقط أحدهم وهو يمد يده لسائحة برتغالية قائلاً: “الله يخليك شي ريال مدريد”، فتفهم المسكينة أن حتى التسول عندنا له بعد كروي! تخاف أن تتحول صورة المغرب من بلد يحتضن كأسا عالمية إلى بلد يحتضن شعبا عالميا من الممدودة أيديهم، ما بين من يطلب صدقة ومن يطلب تأشيرة ومن يطلب فقط شيئاً يشبه الكرامة.
ثم هناك الشكوك الثقيلة حول بعض محترفي الغش في مجال الصناعة التقليدية، أولئك الذين يبيعون لك “زربية فاسية” وهي في الأصل قادمة من الصين عن طريق البيضاء مروراً بـ “جوطية درب غلف”. تخيّل سائحاً يشتري فانوساً تقليدياً، ليكتشف لاحقاً أنه يشتغل بالبطاريات الصينية ويصدر صوت تنبيه عندما تُفتح ثلاجته! كيف نشرح للعالم أن تراثنا قد تمت قرصنته من طرف حِرفيين لا يفرقون بين الأصالة و”الكوبي كولي”؟
لكن في المقابل، المخزن له همّ آخر، بعيد عن المتسولين وباعة الفوانيس. المخزن ـ الله يحفظه ـ عندو كوابيس عنوانها: “أحياء القصدير”. كأنه في عقله الباطن يقول: “عندنا المونديال ولكن عندنا أيضا الحومة اللي تتغلب على الفيفا في عدد الأهداف المتسربة من السطوح المهترئة”.
الدولة لا تخشى فقط من انهيار بنية تحتية خلال زخة مطر، بل من انهيار صورة… تخاف أن يظهر الحي العشوائي في الكاميرا، فتُفسد لقطة Drone كانت تُحضّر بملايين الدراهم. تخاف أن تُصوّر عائلة مغربية تخرج الماء من بيتها بالدلو في نفس اليوم الذي يُفتتح فيه ملعب بملايين اليوروهات. المخزن يريد أن يقول: نحن بلد الكثبان الرملية الساحرة والجبال العالية، لا بلد “قصديرات لا تتقن حتى فن الاختباء”.
ومن جانبنا، نحن الذين لا نملك لا قنوات رسمية ولا جرائد مدعومة، نحذر من شيء أخطر بكثير: الكاميرا الخفية. لا نتحدث عن تلك التي تُبث في رمضان وتجعلك تصرخ لأنك أكلت زربية معتقة، بل نتحدث عن الكاميرات الحقيقية التي تلتقط الواقع… الكاميرات التي لا تطلب الإذن ولا تستعمل المؤثرات الصوتية، تلك التي يمكن أن تصوّر مستشفى عموميا في أوج استعداده لاستقبال المرضى، حيث الجدران تشكو من الكساح، والأدوية محجوزة عند الحارس الليلي، والطبيب المختص يظهر في ثلاث نوبات: قبل العيد، بعد العيد، ويوم الانتخابات.
نخشى أن يأتي وفد أجنبي خصيصاً لزيارة مستشفياتنا، لا ليُعجب بالبنية الصحية، بل ليفهم كيف ينجو الإنسان من نزيف في الدماغ في ظل نظام صحي يُقنعك أن انتظار الموت في البيت هو شكل من أشكال الكرامة.
ثم هناك الهمّ الأكبر، واللغز الأعقد: حرية الرأي. الحرية التي لا نعرف لها شكلاً ولا لوناً ولا صوتاً واضحاً. الحرية التي غالباً ما تُتّهم زوراً بالإخلال بالحشمة، أو تُحاكم باسم قضية أخلاقية من نوع “الاغتصاب” أو “التحريض”، حتى إذا نطقت بكلمة تُحرّك القلوب، وجدت نفسك في قفص الاتهام وسط تغريدات باردة تنعى حرية التعبير كما نعرفها.
كل شيء في هذا البلد يمكن أن يتحوّل إلى موضوع دولي في لحظة مونديالية. الفوضى صارت فناً مستقلاً، والغش أصبح له مؤسسات، والتسول تحول إلى شركة محدودة المسؤولية. وكلنا نعيش تحت وهم أن المونديال سينقل صورتنا للعالم، لكننا ننسى أن المونديال قد ينقل أيضاً صوت المتسول، وصورة المريضة التي تنتظر “السكانير” منذ 2030 قبل الميلاد، ونداء الصيّاح الذي كتب على جدار مدرسته: “أريد أن أكون إنساناً قبل أن أكون مغربياً في المونديال”.
لكن، لا داعي للقلق… ربما سيُراد تصويرنا عبر “فلتر” الأمل، أو تعديل صورتنا عبر برنامج Photoshop الاجتماعي. أما الحقيقة، فهي في مكان آخر… تماماً مثل دفتر الحالة المدنية في بعض القرى: موجود على الورق، مفقود في الواقع.




