الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

سياسةالشأن المحلي

ميزانيات بالملايير… ومشاريع على الورق: الجماعة تُخطط وتنفّذ الريح!

ضربة قلم

تبدأ الحكاية دائمًا بجملة مشهورة في محاضر الدورات: “تمت برمجة مشاريع تنموية بمبلغ يناهز…”، ثم يُتلى رقم فلكي لا يعرف المواطن إن كان بالدرهم أم بالوهم، بينما تتبعها تصفيقات بعض المستشارين الذين لا يميزون بين بناء مركز صحي وتشجير دوار. وبعد ذلك، يصمت الواقع، ويظل المشروع الموعود حبيس صفحات ما يسمى بـ”المخطط الجماعي للتنمية”، وهو الاسم الرسمي للوثائق التي تُودَع في رفوف المقاطعات حتى يصيبها الغبار قبل أن يصيبها التنفيذ.

في المغرب، قد تُبرمج الجماعة بناء ملعب للقرب، لكنك بعد خمس سنوات لا تجد لا ملعبًا ولا حتى “قُربًا” من الإنجاز. وقد تُبرمج قنطرة لتسهيل تنقل الساكنة، لكن الساكنة تبقى تعبر “وادي اللامبالاة” عبر الأكتاف والنعال، في انتظار “التأشير” من وزارة الداخلية، أو في انتظار أن يحسم المستشار الفلاني خلافه مع المقاول الفلاني حول النسبة.

إنه الزمن الجميل للمشاريع الورقية، حيث يُمكنك أن تُخطط لبناء سوق نموذجي، ومركز متعدد الخدمات، وساحة خضراء، دون أن تكون مُضطرًا لبناء أي شيء فعليًا. يكفي أن تُبرمج، وتُصادق، وتُخصص الاعتمادات، ثم تدفع الملف إلى درج النسيان، وتُعيد نفس المشاريع في الدورة المقبلة… مع قليل من “إعادة الصياغة” فقط.

أما “المخطط الجماعي للتنمية”، فحدث ولا حرج. وثيقة تُحرر في صمت، وتُنشر في ضوء خافت، وقد يتم تمريرها في دورة عادية بحضور عدد من المستشارين لا يتجاوز عدد أصابع اليد، وتُصوَّت بالإجماع لأن أحدًا لم يقرأها أصلًا. هذه الوثيقة، التي يُفترض أن تُجسد الرؤية التنموية للمنطقة، تصبح مجرد حائط مبكى تشتكي فيه الجماعة من “قلة الإمكانيات”، ثم تطلب تمويلًا إضافيًا من صندوق التجهيز الجماعي، أو تبرر الفشل بعبارة: “ننتظر مساهمة الشركاء المؤسساتيين”، وكأن التنمية طبق “يأتيك على طاولة الاجتماعات” إذا ناديت عليه بما يكفي من التقارير.

السؤال المرّ هنا: أين تذهب هذه الميزانيات؟ الجواب ليس سرًا، لكنه يُقال على استحياء. جزء منها يُصرف على الدراسات، والجزء الآخر على التنقلات، ثم جزء محترم على “التعديل الهندسي للصفقات”، والجزء الأكبر… يتبخر بين التأجيل والتبرير والتواطؤ الصامت. لا أحد يُحاسب لأن الجميع يعرف القاعدة: المال العام مال لا صاحب له، ما دام ليس هناك من يطرق أبواب المحاسبة.

في المقابل، المواطن البسيط ما زال يقطع الكيلومترات ليصل إلى أقرب مستوصف، ومازالت الأزقة تُعبّد مرة كل عشر سنوات إن حالفها الحظ، وما زالت الإضاءة العمومية تغيب في الأحياء الشعبية وتحضر فقط حين يكون هناك وفد رسمي يزور الدائرة.

ولعل أجمل مفارقة، أن نفس الجماعة التي “لا تملك الإمكانيات”، قادرة على تنظيم مهرجانات محلية لا علاقة لها بالثقافة، وتخصيص ميزانيات “الضيافة” بمئات الآلاف من الدراهم، حتى صار الشاي والمرطبات أهم من إنجاز المشاريع.

في النهاية، لم تعد الجماعات المحلية تُحاسَب على ما لم تُنجز، بل على ما وعدت به ولم تفِ. والمخطط التنموي الجماعي بات مجرد “قائمة تسوق”، تُكتَب بأحلام الساكنة وتُنَفَّذ حسب أولويات السياسة… لا أولويات الحاجة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.