الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

ميزان السوق يختلّ: الخضر تُوزن بالدرهم والقلق بالكيلوغرام

ضربة قلم

حريقٌ صامت يلتهم الجيوب قبل الموائد. هكذا يصف كثير من المتسوقين ما يقع هذا اليوم في أسواق الخضر والفواكه، بالدار البيضاء والمحمدية، حيث تحوّل التجول بين الصناديق المكدّسة، بالطماطم والبطاطس إلى تمرينٍ مؤلم، على الحساب الذهني: كم أحتاج؟ وكم أستطيع أن أدفع؟ وأي صنف سأؤجّل شراءه إلى إشعار آخر؟

مع حلول رمضان، يتضاعف الإقبال، وتشتد المنافسة على السلع الطازجة، فيرتفع السعر، كما يرتفع منسوب القلق، داخل البيوت. فربّة البيت، لم تعد تشتري بالكيلوغرام كما في السابق، بل صارت تزن حاجتها بالنظر: “أعطني بدرهمين فقط”، أو “نصف الكمية يكفينا اليوم”. الميزان لم يعد حَكَماً، بين البائع والمشتري فقط، بل صار مرآةً للقدرة الشرائية.

في الخضر الأساسية، التي لا يكاد يخلو منها مطبخ مغربي، تسجّل البطاطس والبصل أرقاما، لم تكن مألوفة في مثل هذا التوقيت، بينما تتحرك الطماطم في هامشٍ واسع، يجعلها سلعة متقلبة المزاج: يومٌ رخيصة نسبياً، ويومٌ آخر تقفز بلا سابق إنذار. أما الجزر والكوسة والفلفل بأنواعه، فقد أصبحت تُشترى بحذر، كأنها مواد “فاخرة” لا خضر يومية.

وتأخذ المفارقة شكلاً أوضح حين نقترب من بعض الأصناف التي تُباع في عبوات صغيرة. فطماطم الكرز، مثلاً، تبدو للوهلة الأولى غير مكلفة، لأنها معروضة في علبة خفيفة الوزن، لكن حسابها بالكيلوغرام، يحوّلها فجأة إلى منتج مرتفع الثمن، ينافس في سعره بعض اللحوم البيضاء. والزنجبيل الطري، الذي يُشترى عادة بالقطعة أو بالقبضة، يكشف عند تحويله إلى سعر بالكيلوغرام، عن رقمٍ صادم، لا ينسجم مع كونه مجرد جذر نباتي.

أما الثوم، الذي كان رمزاً للبساطة، والوفرة في المخيال الشعبي، فقد صار يُباع بجرعات محسوبة، وكأنه دواء نادر. فلا أحد يشتريه اليوم بالكيلو إلا نادراً، بل يُكتفى بنصفه أو أقل، وكأن الأسرة تعقد هدنة مؤقتة مع “التسعيرة”.

في ركن الفواكه، المشهد لا يقل قسوة. الموز يقف في الصف الأمامي للأسعار المرتفعة، فيما يحتفظ البرتقال والكلمنتين بشيء من “الرحمة الموسمية”، لكن دون أن يلامسا مستويات مريحة للجيوب. التفاح، بألوانه وأصنافه، صار بدوره مجالاً للتفاضل الطبقي: نوعٌ للشراء اليومي، ونوعٌ آخر يُنظر إليه باعتباره “ترفاً غذائياً”.

وتبرز الفراولة والتوت والكيوي والمانغا كعناوين للفواكه، التي انتقلت من خانة المتعة الشعبية، إلى خانة السلع شبه النخبوية. فهذه الأصناف، التي كانت تملأ موائد كثيرة، في مواسمها، أصبحت اليوم، تُشترى على سبيل الاستثناء، لا الاعتياد.

هذا الارتفاع لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بتغيّر السلوك. فالزبون صار يسأل أكثر، يقارن أكثر، ويجادل أكثر. والبائع بدوره يرفع كتفيه معتذراً: “السلعة جاية غالية من عند المزوّد”. وبين هذا وذاك، تضيع المسؤولية، في دهاليز سلسلة طويلة، تمتد من الحقل إلى الشاحنة، ومن سوق الجملة إلى دكان الحي.

اقتصادياً، يبدو المشهد وكأنه نتيجة معادلة غير متوازنة: طلبٌ مرتفع في زمن قصير، مقابل عرضٍ لا يتكيّف بالسرعة نفسها، مع وجود كلفة نقل وتخزين وهوامش ربح، تتضخم كلما اقتربت السلعة من يد المستهلك. لكن اجتماعياً، القصة أبسط وأقسى: أسرة تحاول أن تحافظ على نمط غذائي متوازن في زمنٍ، صار فيه هذا التوازن مكلفاً.

وهكذا، لا تعكس هذه الأسعار مجرد حركة سوق عابرة، بل تكشف عن ضغطٍ يومي على موائد المغاربة، وعن رمضان يدخل البيوت محمّلاً بالبركة من جهة، وبالفاتورة الثقيلة من جهة أخرى. وبين الأمل في تراجع مؤقت، والخشية من استمرار المنحى التصاعدي، يبقى السؤال معلقاً فوق صناديق الخضر: إلى متى يظل المستهلك، الحلقة الأضعف في رحلة الطماطم من التراب إلى الطبق؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.