“نادي قضاة المغرب” يرفع مذكرة ثقيلة داخل البرلمان ويدعو إلى حماية استقلال القضاء وتحصين الحقوق

ضربة قلم
في خطوة اعتبرها عدد من المتابعين “محورية” في مسار ترسيخ دولة القانون بالمغرب، قدّم نادي قضاة المغرب مذكرة تفصيلية حول مشروع القانون التنظيمي رقم 35.24، المتعلق بشروط وإجراءات الدفع بعدم دستورية قانون، وذلك خلال جلسة لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب.
وتكشف المذكرة، عن رؤية القضاة لهذا الورش الإصلاحي الذي تأخر أكثر من اللازم، كما تسلط الضوء على مجموعة من الإشكالات، التي تستوجب معالجة دقيقة حتى لا يتحول هذا القانون من أداة لحماية الحقوق إلى سبب لتعطيل العدالة أو المساس بدور القاضي.
15 سنة من الانتظار… ونادي القضاة يطالب بالقطع مع التأجيل التشريعي
أولى الملاحظات التي شدّد عليها نادي قضاة المغرب، تتعلق بما وصفه بـ “التأخر غير المفهوم” في دخول هذا القانون حيّز التنفيذ، حيث بقي المغرب، طيلة خمس عشرة سنة كاملة بعد دستور 2011، بدون إطار قانوني ينظم الدفع بعدم دستورية القوانين.
ويرى النادي أن هذا التأخير يتعارض صراحة مع الدستور الذي يلزم المشرع بإصدار القوانين التنظيمية، داخل أجل أقصاه خمس سنوات.
ولهذا، طالب القضاة بأن ينصّ القانون الجديد بشكل صريح على دخوله حيز التنفيذ فور نشره بالجريدة الرسمية، حتى لا يتكرر سيناريو التأجيل التشريعي الذي يعطل مسار حماية الحقوق والحريات.
بعد قرار المحكمة الدستورية 18/70: ضرورة مراجعة النص وتوسيع دائرة الجهات المخوّل لها الدفع
مذكرة نادي القضاة لم تكتف بالجانب الإجرائي، بل انتقلت إلى جوهر المسطرة المرتبطة بالدفع بعدم الدستورية. فقد أكدت ضرورة مراجعة مشروع القانون بما يتلاءم مع مضامين قرار المحكمة الدستورية عدد 18/70، وخاصة ما يتعلق بتفسير الجهات المخول لها تقديم هذا الدفع.
وطالب النادي بإعادة صياغة المادتين 2 و3 حتى يشمل الدفع:
-
جميع الهيئات التي تمارس اختصاصات قضائية
-
وليس فقط المحاكم العادية أو الإدارية
وهو طرح يعكس توجهاً إيجابياً يرمي إلى توحيد منظومة الرقابة الدستورية ومنع أي تضارب بين الجهات القضائية، فضلاً عن تجنب إقصاء فئات من المتقاضين، من هذا الحق الدستوري.
هل يشمل القانون المحاكم المالية والعسكرية؟ سؤال ما زال معلّقًا
من النقاط التي اعتبرها القضاة “حاسمة” ضرورة الحسم في نطاق تطبيق القانون، خصوصًا فيما يتعلق بالمؤسسات القضائية، التي لا تنتمي مباشرة للمنظومة العادية، مثل:
-
المحاكم المالية
-
المحاكم العسكرية
-
القضاة الممارسين لاختصاصات ذات طبيعة شبه قضائية، داخل مؤسسات معينة
وطالب النادي بتوضيح صريح حتى لا تترك المسألة لتفسيرات متباينة تُربك عمل المحاكم والمتقاضين معًا.
الطعن في الأحكام المبنية على قوانين غير دستورية… هل هو ممكن؟
طرحت المذكرة إشكالاً بالغ الأهمية يرتبط بمدى إمكانية الطعن في:
-
الأحكام النهائية
-
دعاوى تذييل الأحكام
-
دعاوى البطلان
في حال الاعتماد على نص تشريعي يُحتمل عدم دستوريته.
ويرى نادي القضاة، أن القانون يجب أن يجيب بوضوح عن هذا السؤال، لأن تركه معلقًا سيخلق جدلًا قضائيًا واسعًا ويضرب الأمن القانوني الذي تتأسس عليه دولة المؤسسات.
الفصل 133 واضح… وعلى القانون أن يعكس وضوحه
ذكّر نادي القضاة بأن الفصل 133 من الدستور منح المحكمة الدستورية، صلاحية النظر في أي دفع بعدم دستورية قانون، أثناء نظر المحاكم في القضايا المعروضة عليها.
وبالتالي فإن مشروع القانون، يجب أن يُبنى على هذا المبدأ دون استثناءات أو تقييدات غير مبررة، لضمان احترام التسلسل الدستوري وعدم تحويل القاضي إلى مجرد قناة إدارية تحول الملفات، دون صلاحيات حقيقية.
رسوم معقولة ومساعدة قضائية… ضمان للعدالة وليس عرقلة
شدّد القضاة على ضرورة ضبط الجانب المالي، المرتبط بمسطرة الدفع عبر:
-
فرض رسوم قضائية معقولة حتى لا تتحول المسطرة إلى أداة للمماطلة.
-
إقرار نظام فعال للمساعدة القضائية يُمكّن الفئات الهشة من ممارسة حقها الدستوري.
-
تمكين القاضي من رفض الدفوع التعسفية أو الكيدية مع إمكانية تعويض المتضرر.
هذه المقاربة توازن بين:
-
حق المواطن في ولوج العدالة
-
وحق النظام القضائي في منع إساءة استعمال المسطرة
تحميل خاسر الدعوى المصاريف وأتعاب المحامي… حماية لهيبة القضاء
ولتفادي “استغلال الدفع كمطية لتعطيل الأحكام”، شدد نادي القضاة على ضرورة:
✔ تحميل خاسر الطعن جميع المصاريف
✔ بما فيها أتعاب المحامي
✔ الخاصة بالمسطرة الفرعية، للدفع بعدم الدستورية
الهدف هو ردع من يقدم دفوعًا غير جدية، ومنح القاضي أداة عملية لضبط الجلسة ومسار التقاضي.
القانون يجب أن يشمل جميع التشريعات العادية… وفق روح دستور 2011
طالب النادي بأن يغطي القانون كل أنواع التشريع العادي الصادر عن البرلمان، دون تمييز أو استثناء.
ويرى القضاة أن أي تضييق في نطاق التشريع القابل للدفع بعدم دستوريته هو انتقاص مباشر من روح دستور 2011 الذي جاء موسّعًا لضمان الحقوق والحريات.
كما دعا النادي إلى منع تقديم الدفع أكثر من مرة في الدعوى نفسها من الجهة ذاتها، لمنع تكرار المناورات وتعطيل الأحكام.
المادة 27… إعفاء غير مبرر للمشرع من المسؤولية
من بين النقاط الأكثر حساسية، اعتبر نادي القضاة أن المادة 27 من المشروع، والتي تنص على عدم مسؤولية المشرع عند إصدار قوانين غير دستورية، تتعارض مع مبدأ دستوري أصيل يجمع بين:
“ربط المسؤولية بالمحاسبة”
وأشار إلى أن تجارب مقارنة تسمح بالتعويض عن الخطأ التشريعي، ما يجعل إعفاء المشرع استثناء غير مبرر ويجب إعادة النظر فيه.
قرارات المحكمة الدستورية يجب أن تكون ملزمة للجميع… وليس للأطراف فقط
في ختام مذكرته، شدد نادي قضاة المغرب على ضرورة أن تكون:
جميع قرارات المحكمة الدستورية المتعلقة برفض الدفع ملزمة لكافة المحاكم والسلطات
وليس فقط للأطراف الذين تقدموا بالدفع.
فإلزاميتها الشاملة تحمي:
-
وحدة الاجتهاد القضائي
-
الأمن القانوني
-
واستقرار الأحكام
وهو ما يشكل الحد الأدنى لضمان احترام سلطة المحكمة الدستورية ومكانتها في المنظومة القضائية.
خلاصة: نحو قانون يحمي استقلال القاضي ويصون الحقوق
تظهر المذكرة بوضوح أن نادي قضاة المغرب لا يسعى إلى مجرد تعديل تقني، بل إلى بناء منظومة متكاملة تجعل مسطرة الدفع بعدم الدستورية أداة حقيقية لحماية الحقوق والحريات، دون أن تتحول إلى عبء أو وسيلة لتعطيل الأحكام.
وبقدر ما تدافع المذكرة عن حق المتقاضي في الرقابة الدستورية، فإنها تشدد في المقابل على عدم المساس باستقلال القاضي أو بفعالية القضاء، وهو توازن صعب، لكنه ضروري في مجتمع، يسعى إلى تعزيز دولة القانون والحد من تناقض النصوص وتأويلاتها.




