
ضربة قلم
هناك حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، وهي أن المغرب، عندما يقرر إنجاز مشروع كبير، فإنه ينجزه بسرعة تثير الإعجاب. يكفي أن تُعلن الدولة عن ورش استراتيجي، حتى تتحرك الإدارات، وتُرصد الميزانيات، وتُفتح الأوراش، وتُختصر المسافات، وكأن الزمن نفسه، يصبح موظفاً لدى المشروع.
وحين توكل المغرب على الله، وأعلن ترشيحه المشترك لاحتضان كأس العالم 2030، انطلقت الأوراش في مختلف الاتجاهات. سكك حديدية جديدة، توسعة المطارات، إعادة تهيئة الطرق، “تحديث المدن”، بناء وتجديد الملاعب، وتطوير بنية تحتية، أصبحت اليوم من بين الأفضل في إفريقيا والعالم العربي. بل إن المملكة تستعد لإضافة صرح رياضي ضخم بملعب بنسليمان، الذي سيكون من أكبر الملاعب في العالم، في رسالة واضحة مفادها أن المغرب، لا يريد فقط تنظيم كأس العالم، بل يريد أن يترك إرثاً رياضياً وحضارياً يمتد لعقود.
وليس هذا أول إنجاز من هذا الحجم.
فحين تقرر بناء مسجد الحسن الثاني، ذلك المعلم الذي أصبح إحدى أعظم التحف المعمارية الإسلامية في العالم، تحقق الحلم، رغم ضخامة التحديات. ساهم المغاربة فيه بطرق مختلفة، سواء عن اقتناع أو تحت ضغط الواقع آنذاك، لكن المسجد ارتفع شامخاً على ضفاف الأطلسي، وأصبح رمزاً من رموز المغرب الحديثة.
وحين تُقرر الدولة تنظيم انتخابات، فإنها تُنظمها في موعدها، بكل ما يرافقها من استعدادات لوجستية وإدارية. وحين تُرسم الخريطة السياسية، تنتهي العملية في الغالب إلى نتائج، تبدو للبعض متوقعة أكثر مما هي مفاجئة، فيستمر النقاش نفسه بعد كل استحقاق حول حجم المشاركة، ومدى تمثيلية المنتخبين، ومستوى الثقة في المؤسسات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: لماذا ننجح بهذه السرعة في المشاريع الإسمنتية، بينما تتعثر المشاريع الإنسانية؟
لماذا يصبح الإسمنت أكثر حظاً من الإنسان؟
فبناء طريق سيار أو خط سككي أو ملعب عملاق، يحتاج إلى قرار سياسي وميزانية وآجال تنفيذ، وهو ما يحدث فعلاً. أما بناء مدرسة عمومية، تُخرج جيلاً قادراً على المنافسة، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، ومحكمة لا يطرق بابها النفوذ، وإدارة تجعل المواطن، يشعر بأنه سيد لا متسول للخدمة، فهذه أوراش، يبدو أنها لا تزال تنتظر قراراً بالحجم نفسه.
المفارقة أن الدول، لا تُقاس فقط بارتفاع أبراجها، ولا بضخامة ملاعبها، ولا بسرعة قطاراتها، بل بما يشعر به المواطن البسيط عندما يستيقظ صباحاً.
هل يطمئن إلى أن ابنه سيحصل على تعليم جيد، دون أن يرهق ميزانية الأسرة بالدروس الخصوصية؟
هل يثق بأن المرض، لن يحوله إلى متسول أمام أبواب المصحات؟
هل يعلم أن القضاء، سيعيد له حقه حتى لو كان خصمه ثرياً أو نافذاً؟
هل يشعر أن منصب الشغل يُمنح بالكفاءة لا بالعلاقات؟
هذه هي الأسئلة التي تصنع قوة الأمم.
إن الفقير في المغرب، لا يحلم بامتلاك ملعب لكرة القدم، بل يحلم بمدرسة، لا تُجبره على البحث عن التعليم الخاص. ولا يحلم بقطار فائق السرعة، بقدر ما يحلم بمستوصف، يجد فيه طبيباً ودواءً وسريراً عند الحاجة. ولا يحلم بواجهات حضرية براقة، إذا كانت الأزقة التي يعيش فيها تغرق مع أول قطرة مطر، وإذا كان أبناؤه يهاجرون لأن الأمل ضاق بهم.
لقد أصبح من السهل تشييد البنايات، لكن الأصعب هو تشييد الثقة.
والثقة لا تُبنى بالإعلانات ولا بالشعارات، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون يحمي الجميع بالقدر نفسه، وأن الفرص تُوزع بعدالة، وأن النجاح ليس امتيازاً، يُمنح لفئة دون أخرى، بل ثمرة جهد واجتهاد.
وليس المقصود هنا التقليل من قيمة المشاريع الكبرى، فهي ضرورية، بل إنها تشكل رافعة للاقتصاد والاستثمار والسياحة، وقد تخلق فرص عمل وتحسن صورة البلاد في الخارج. لكن التنمية الحقيقية، لا تكتمل إذا بقيت محصورة في الحجر والإسمنت، بينما يظل الإنسان ينتظر نصيبه منها.
فالاستثمار في البشر هو الاستثمار الذي لا يصدأ.
قد يتقادم ملعب بعد ثلاثين أو أربعين سنة، وقد تحتاج الطرق إلى إعادة التأهيل، لكن الطبيب الذي تلقى تعليماً جيداً، سيعالج آلاف المرضى، والمدرس الكفء سيصنع أجيالاً، والقاضي النزيه سيزرع الطمأنينة في المجتمع، والباحث المبدع قد يحقق للمغرب، ما لا تحققه عشرات المشاريع العمرانية.
إن أكبر بطولة يمكن لأي دولة أن تفوز بها، ليست كأس العالم، وإنما كأس العدالة الاجتماعية.
وأعظم ملعب، يمكن أن نفتخر به، ليس ذاك الذي يتسع لعشرات الآلاف من المتفرجين، وإنما الوطن الذي يتسع لأحلام جميع أبنائه دون تمييز.
فحين يستطيع ابن الفقير أن يصل إلى كلية الطب أو الهندسة، بفضل كفاءته وحدها، وحين تدخل الأم المستشفى العمومي وهي مطمئنة إلى جودة العلاج، وحين يخرج المتقاضي من المحكمة، وهو مقتنع بأن الحق انتصر على النفوذ، وحين يصبح المنصب العمومي، ثمرة الاستحقاق لا الوساطة، عندها فقط يمكن القول إن المغرب، لم يكتف ببناء الملاعب، بل نجح أيضاً في بناء الإنسان.
لأن الأمم لا يخلدها ما شيدته من إسمنت فقط، وإنما ما رسخته من عدل، وما وفرته من كرامة، وما صنعته من مواطن يؤمن أن وطنه لا يطالبه بالتضحية وحده، بل يمنحه أيضاً، حقه كاملاً في التعليم والصحة والقضاء والعيش الكريم.
وعندها فقط، لن يكون كأس العالم سنة 2030 مجرد موعد رياضي عابر، بل سيكون مناسبة يحتفل فيها المغرب بما هو أعظم من البنية التحتية… يحتفل بانتصار الإنسان المغربي نفسه.





https://shorturl.fm/d1S11