ضربة قلم
يقول المأثور الشهير: “الفتنة نائمة، لعن الله موقظها.” وهي عبارة تختزل حكمة تاريخية عميقة، مفادها أن إشعال الصراعات، أسهل بكثير من إخمادها، وأن من يفتح أبواب النار، قد لا يستطيع إغلاقها، عندما تبدأ بالتمدد. وعلى ضوء ما يجري اليوم في الشرق الأوسط، يبدو أن المنطقة، تعيش واحدة من أخطر لحظات الاحتقان، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الطموحات الشخصية، بينما يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في كل مواجهة.
وفي قلب هذا الجدل يبرز اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي تتجه إليه أصابع كثيرة في النقاش السياسي والإعلامي، باعتباره أحد أبرز الفاعلين في التصعيد القائم. فمنتقدوه يرون أنه يدفع نحو توسيع دائرة المواجهة الإقليمية، بل ويذهب بعضهم إلى القول، إنه نجح في استدراج الولايات المتحدة، بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى أجواء مواجهة أكثر حدة في المنطقة.
هذا الجدل لا ينفصل عن الانتقادات الواسعة، التي تلاحق نتنياهو على المستوى الدولي، خصوصًا بعد الحكم عليه بالمحكمة الجنائية الدولية، التي أصبحت في نظر كثيرين، رمزًا لمحاولة مساءلة القادة السياسيين، عن أفعالهم في زمن الحروب. فالصورة التي يقدمها خصومه عنه، هي صورة رجل يفتقر إلى الإنسانية، يغامر بإشعال حرائق إقليمية في سبيل تحقيق مكاسب سياسية أو تاريخية.
وفي المقابل، بدأت بعض الدول الأوروبية، تبعث رسائل سياسية واضحة. فكل من اسبانيا وألمانيا أظهرتا في النقاشات السياسية والإعلامية، تحفظًا واضحًا تجاه الانجرار إلى مواجهة واسعة في الشرق الأوسط، خصوصًا إذا كان الأمر يتعلق بصراع شخصي أو سياسي، لا يخدم استقرار المنطقة ولا مصالح أوروبا.
وفي السياق نفسه، بدأت أصوات سياسية وإعلامية في دول غربية أخرى تطرح تساؤلات مختلفة حول خلفيات التصعيد. ففي كندا، برزت مواقف وتحليلات تشير إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قد يجد في أجواء الحرب وسيلة لصرف أنظار الرأي العام الدولي عن قضايا جدلية داخلية، من بينها الملفات المرتبطة برجل الأعمال الراحل جيفري إيبستين، والتي ما زالت تثير الكثير من النقاش والاتهامات في الأوساط السياسية والإعلامية.
وتعكس هذه القراءات المتباينة، حجم الانقسام داخل المعسكر الغربي نفسه، بشأن كيفية التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، بين من يرى ضرورة التهدئة وتفادي توسيع دائرة المواجهة، وبين من يعتقد أن التصعيد، قد يخدم حسابات سياسية أو انتخابية داخلية لدى بعض القادة.
ويذهب بعض المحللين إلى المقارنة بين أساليب التعبئة السياسية، التي يعتمدها بعض القادة اليوم، وبين تلك التي عرفها التاريخ في عصور سابقة، حين كانت النزعات القومية المتشددة، تقود إلى صراعات مدمرة، كما حدث في زمن أدولف هتلر. ورغم أن هذه المقارنات، تبقى مثار جدل واسع، فإنها تعكس حجم القلق الدولي، من أي خطاب سياسي، يفتح الباب أمام مواجهات، لا يمكن التحكم في نتائجها.
وفي خضم هذا التصعيد، لم تبق إيران بعيدة عن مسرح الأحداث. فالتوتر بين إيران وإسرائيل بلغ مستويات غير مسبوقة، حيث شهدت وتشهد تل أبيب بدورها ضربات وهجمات خطيرة، وضعت الإسرائيليين أمام تجربة أمنية قاسية، تشبه تماما ما عاشه سكان غزة خلال سنوات طويلة، من الحروب والقصف المتبادل.
وهنا تتجلى المفارقة القاسية في كل الحروب: فحين تُفتح أبواب المواجهة، لا يبقى الألم حكرًا على طرف واحد. المدن تُقصف، والبنية التحتية تنهار، والأطفال يكبرون في ظل أصوات الانفجارات بدل أصوات المدارس. وفي نهاية المطاف، تتحول المنطقة كلها، إلى ساحة توتر دائم، بينما تتراجع فرص التنمية والاستقرار.
إن الحكمة القديمة التي تقول إن الفتنة يجب أن تبقى نائمة، ليست مجرد عبارة أخلاقية، بل درس تاريخي، أثبتت الوقائع صحته مرارًا. فكل من يوقظ نار الصراع، قد يكتشف متأخرًا أن الشرارة التي أشعلها، لن تقف عند حدود خصومه، بل قد تمتد لتطال الجميع. وفي الشرق الأوسط، حيث الجغرافيا السياسية شديدة التعقيد، يكفي خطأ واحد، أو قرار متهور، ليحوّل المنطقة بأكملها إلى مسرح مفتوح لمواجهات، لا يعرف أحد كيف تنتهي.