
ضربة قلم
لم تكن ليلة 19 يوليوز 2026 مجرد موعد رياضي عابر في أجندة كرة القدم العالمية. ففي نهائي كأس العالم، الذي جمع إسبانيا بالأرجنتين، حُسم اللقب لمصلحة المنتخب الإسباني بهدف دون رد بعد التمديد، في مباراة انتهت بتتويج «لاروخا» بطلاً للعالم للمرة الثانية في تاريخه. لكن خلف النتيجة الكروية، كانت هناك قصة أخرى تُكتب في مكان مختلف تماماً: قصة السياسة والرموز والجغرافيا السياسية.
فقد سبق للباحث الفرنسي المعروف والمتخصص في الجغرافيا السياسية، باسكال بونيفاس، أن نظر إلى هذا النهائي باعتباره أكثر من مجرد مواجهة بين منتخبين. وبحسب قراءته، فإن المباراة كانت تحمل دلالات سياسية ورمزية تتجاوز المستطيل الأخضر، خصوصاً في ظل الحرب على غزة، وتصاعد النقاش حول إسرائيل والقضية الفلسطينية، وصعود اليمين السياسي، وحضور شخصيات مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو في خلفية المشهد الدولي.
وبعد أن انتهت المباراة بفوز إسبانيا، أصبح تصريح بونيفاس قابلاً للقراءة من زاوية جديدة. فالرجل لم يكن يتحدث فقط عن نتيجة رياضية، بل عن الرمزية التي يمكن أن تحملها النتيجة في سياق دولي شديد الاستقطاب. ومن هنا، تحوّل انتصار إسبانيا على الأرجنتين إلى مادة لتأويلات سياسية وجيوسياسية، خصوصاً لدى من يرون في مواقف مدريد تجاه القضية الفلسطينية نقيضاً للمواقف التي يمثلها اليمين الإسرائيلي والأمريكي.
ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن فهم العنوان المستفز: «نتنياهو ترقّب النهائي.. وإسبانيا منحت الأرجنتين صفعة جيوسياسية في ليلة كأس العالم». غير أن الموضوعية تفرض التمييز بين ما حدث فعلاً داخل الملعب، وما يُحمَّل للنتيجة من دلالات سياسية خارج الملعب. فإسبانيا انتصرت كروياً، أما اعتبار ذلك «انتصاراً جيوسياسياً» على نتنياهو أو إسرائيل، فتبقى قراءة رمزية وسياسية، لا حقيقة رياضية أو نتيجة مباشرة للمباراة.
وهنا تكمن أهمية تصريح بونيفاس: هل كان يرى في نهائي كأس العالم مجرد مباراة بين إسبانيا والأرجنتين، أم أنه كان يقرأ خلف الكرة صراعاً أوسع على الرموز والمواقف والرسائل؟
ينطلق باسكال بونيفاس، في تصريحه الذي أدلى به قبيل نهائي كأس العالم، من فكرة أساسية مفادها أن المباريات الكبرى، وخاصة نهائيات كأس العالم، لا تنفصل دائماً عن السياق السياسي الدولي. فحين يتعلق الأمر بمنتخبات تمثل دولاً ذات مواقف سياسية واضحة، يصبح الحدث الرياضي أحياناً، مجالاً للتعبير الرمزي عن مواقف تتجاوز حدود كرة القدم.
لكن قراءة كلام بونيفاس تقتضي وضعه في سياقه السياسي والفكري. فالباحث الفرنسي، لم يكن يتحدث عن مباراة عادية، بل عن نهائي يجري في عالم شديد التوتر، وفي لحظة تاريخية أصبحت فيها القضية الفلسطينية في قلب النقاش الدولي، بعدما تجاوزت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي حدود الصراع السياسي والعسكري، لتطرح أسئلة كبرى حول القانون الدولي، والعدالة، وازدواجية المعايير، وحدود ما يمكن أن تفعله المؤسسات الدولية عندما تصطدم بإرادة القوى الكبرى.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو بونيفاس منفرداً في موقفه. فإلى جانبه، توجد أصوات عديدة داخل الأوساط الثقافية والسياسية الأوروبية ترى أن الغطرسة الإسرائيلية، لا تصطدم فقط بالحاضر، وإنما تصطدم أيضاً بالتاريخ الذي لا يمكن محوه، وبالوقائع التي تفضح عجز مجلس الأمم المتحدة، ومؤسسات الشرعية الدولية، عن فرض قراراتها عندما يتعلق الأمر بإسرائيل.
وهنا يبرز دونالد ترامب، ليس باعتباره ممثلاً للولايات المتحدة، وإنما باعتباره شخصية سياسية لها مواقفها وخياراتها الخاصة، والتي يرى منتقدوها أنها ساهمت في تعميق الاختلال القائم في التعامل مع القضية الفلسطينية، وفي منح الحكومة الإسرائيلية غطاءً سياسياً واسعاً، رغم الانتقادات الدولية المتزايدة.
أما إسبانيا، في عهد رئيس حكومتها بيدرو سانشيز، فقد اتخذت مواقف أكثر وضوحاً تجاه القضية الفلسطينية، وانتقدت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وكانت من بين الدول الأوروبية التي اعترفت بدولة فلسطين، وهو ما جعل موقفها مختلفاً عن مواقف عدد من الحكومات الغربية الأخرى.
ومن هنا، فإن حديث بونيفاس عن النهائي لم يكن قائماً فقط على هوية المنتخبين المتنافسين، بل على الرمزية السياسية التي قد تكتسبها نتيجة المباراة. فقبل أن تفوز إسبانيا باللقب، كان الباحث يتساءل عن الدلالة التي يمكن أن يحملها انتصارها، في ظل وجود رأي عام أوروبي وعالمي واسع يرى في الموقف الإسباني، تعبيراً عن رفض ما يعتبره ازدواجية في المعايير، وعن استمرار الإفلات من المساءلة الدولية.
أما الإشارة إلى دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، فتأتي في سياق قراءة بونيفاس للمشهد السياسي العالمي، حيث يمثل الرجلان، في نظر منتقديهما، نموذجاً لسياسة تقوم على القوة وفرض الأمر الواقع، بعيداً عن المبادئ التي يفترض أن تحكم القانون الدولي. ومن هنا، فإن أي انتصار رياضي قد يتحول، في وعي الجماهير، إلى مناسبة للتعبير عن مواقف أوسع من كرة القدم نفسها.
غير أن الموضوعية تقتضي التمييز بين التحليل السياسي والتمنّي السياسي. فبونيفاس، باعتباره باحثاً في الجغرافيا السياسية، كان يقرأ المباراة قبل إجرائها من زاوية رمزية وجيوسياسية، وليس باعتبار أن نتيجتها ستغير موازين القوى الدولية. وبالفعل، فإن فوز إسبانيا على الأرجنتين لا يمكن اعتباره، بالمعنى السياسي المباشر، انتصاراً على إسرائيل أو على نتنياهو أو على ترامب.
لكن في المقابل، فإن تحميل الرياضة دلالات سياسية ليس أمراً جديداً. فنهائيات كأس العالم، تحولت إلى أحداث عالمية تتابعها مئات الملايين، وتشارك فيها دول تحمل تاريخاً ومواقف وتحالفات وصراعات. ولذلك فإن صورة لاعب، أو علم، أو احتفال جماهيري، أو موقف سياسي في المدرجات، يمكن أن يتحول إلى رسالة تتجاوز حدود الملعب…
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم قراءة باسكال بونيفاس: فهو لم يكن يقول إن مباراة كرة القدم ستسقط حكومة أو تغير قراراً دولياً، وإنما كان يرى أن الرياضة قد تتحول، في لحظات معينة، إلى مرآة تعكس الصراعات الكبرى التي يعيشها العالم.
لقد انتهت المباراة بفوز إسبانيا، لكن النقاش الذي سبقها، كان أكبر من كرة القدم. فبينما يرى البعض أن الرياضة يجب أن تبقى بعيدة عن السياسة، يرى آخرون أن السياسة هي التي تلاحق الرياضة حتى إلى الملاعب، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحدث عالمي مثل كأس العالم.
الخلاصة
باسكال بونيفاس لم يكن يتحدث عن نهائي بين إسبانيا والأرجنتين فقط، بل كان يقرأ مباراة كروية في سياق عالمي مثقل بالحرب والاحتلال والاحتجاجات والانقسامات السياسية. وقد جاءت قراءته منسجمة مع مواقف عدد من المثقفين والسياسيين الأوروبيين الذين يرون أن التاريخ، لا يمكن تزويره، وأن القوة لا تستطيع إلى الأبد إسكات الأسئلة المتعلقة بالعدالة والقانون الدولي.
وبعد فوز إسبانيا، اكتسب هذا التصريح، بالنسبة إلى مؤيديه، بعداً رمزياً إضافياً. فالفوز كان كروياً، أما تحويله إلى «صفعة جيوسياسية» لنتنياهو أو لترامب، فذلك يبقى قراءة سياسية ورمزية، لا نتيجة مباشرة للمباراة.
لكن أحياناً، لا تكون أهمية كرة القدم فيما يحدث داخل الملعب فقط، بل في ما تكشفه ردود الفعل حوله من مواقف وانقسامات وصراعات. وهنا تحديداً، كان نهائي 19 يوليوز 2026 أكثر من مجرد مباراة في نظر كثيرين: كان لحظة رياضية كبرى، دخلت إليها السياسة من الباب الواسع، ثم خرجت منها حاملةً معها الكثير من الأسئلة التي لم تحسمها صافرة النهاية.
وفي ضوء كل ما سبق، وإذا كانت الفيفا تؤكد دائما استقلالية قراراتها عن أي ضغوط أو حسابات خارجية، فإن الكرة الذهبية تبدو اليوم أقرب ما تكون إلى لاعب استثنائي لا يتجاوز عمره 19 سنة، قاد منتخب إسبانيا إلى التتويج بكأس العالم يوم 19 يوليوز، وهو لامين يامال، اللاعب المنحدر من أصول مغربية، والذي سبق أن لفت الأنظار برفعه العلم الفلسطيني وسط جماهير برشلونة خلال احتفالات التتويج بلقب الدوري الإسباني. فهل ستنتصر المعايير الرياضية الخالصة، ويُمنح اللقب لمن يستحقه داخل المستطيل الأخضر، أم أن جماعات الضغط ستنجح مرة أخرى في ترجيح كفة اعتبارات لا علاقة لها بالاستحقاق الرياضي؟




