
ضربة قلم
في عالمٍ يزدحم بالشعارات، عاش نزار قباني رجلًا يكتب بقلبه قبل قلمه. كان شاعرًا لا يشبه أحدًا، يجمع بين الرقة والثورة، بين العشق والوطن، بين الياسمين والدم. لكن خلف هذا الوهج، كان هناك رجل حزين جدًا، تكسّرت أحلامه واحدةً تلو الأخرى حتى مات في غربته، حاملاً وجع أمة بأكملها.
البداية من دمشق… المدينة التي علمته البكاء
وُلد نزار عام 1923 في بيتٍ دمشقي قديم، وسط حديقة تفوح برائحة الورد والياسمين. كان بيت العائلة جنة صغيرة، لكنه حمل منذ صباه أول طعنة حزن: انتحار شقيقته وصال التي أُجبرت على الزواج ممن لا تحب.
منذ تلك اللحظة، صار الحزن هو الحبر الذي يكتب به نزار، وصار الحب عنده ثورة على كل قيد، لا مجرّد إحساس جميل.
“أحبك جداً، وأعرف أن الطريق إلى المستحيل طويل.”
شاعر النساء… ثم شاعر الأمة
بدأ نزار شاعرًا للنساء، يكتب للحب والأنوثة والحرية، لكن الحروب جعلته شاعر الأمة الحزينة.
بعد نكسة 1967 كتب قصيدته الشهيرة “هوامش على دفتر النكسة”، التي هزّت العالم العربي واعتُبرت تمردًا شعريًا على الصمت والخيبة.
“إذا خسرنا الحربَ لا غرابة
لأننا ندخُلها بمنطق الطبلة والربابة.”
كان حزينًا على الأمة، كما كان عاشقًا للمرأة، وفي كليهما كان صادقًا حتى الألم.
حين ماتت بلقيس، مات نزار مرتين
في عام 1981، دوّى انفجار في السفارة العراقية ببيروت، قضت فيه بلقيس الراوي، زوجة نزار وحبيبته.
تحوّلت الجثة إلى قصيدة خالدة، وانهار الشاعر من الداخل:
“بلقيسُ… يا وجعي، ويا وجع القصيدةِ حين تلمسها الأنامل.”
“بلقيسُ… إن هم ذبحوكِ غُدُوًّا
فكلُّ حروفنا قتلتْ معك.”
منذ ذلك اليوم، صار نزار يعيش جسدًا بلا روح، يتنقل بين لندن وجنيف ومدريد، يكتب بقلبٍ مثقوب.
المنفى الأخير
عاش نزار في منفاه الأخير بلندن، يرى وطنه من وراء الغيوم. كان يقول لأصدقائه:
“أنا لا أملك إلا الكلمات، والكلمات في هذا الزمن
لا تُنقذ أحدًا.”
مات في عام 1998 بعد رحلة طويلة مع المرض، لكن وصيته كانت واضحة:
“أريد أن يُدفن جسدي في دمشق، لأنها بداية شعري ونهايته.”
وفعلًا، عاد جثمانه إلى دمشق محمولًا على أكتاف الحزن، ليرقد بين ياسمينها إلى الأبد.
نزار… الشاعر الذي لم يشفَ من الحنين
ربما كان نزار قباني أكثر الشعراء العرب حزنًا، لا لأنه عاش مآسي شخصية فقط، بل لأنه أحبّ العرب أكثر مما أحبّوه، وحلم لهم بوطنٍ أجمل، وامرأةٍ أصدق، وكرامةٍ لا تُباع في المزاد.
ترك وراءه عشرات الدواوين التي ما زالت تُقرأ حتى اليوم، وكأنها كُتبت البارحة، لأن الحزن لا يشيخ، ولأن نزار كان يرى في الشعر خلاصًا من كل شيء إلا من الوجع.
“أحبكِ حتى ترتفع السماءُ قليلاً.”
وربما أحبّ الحياةَ بنفس الطريقة… حتى ارتفع عنها قليلاً، ومضى.




