سياسة

نزاع الصحراء.. عندما تحاول “البوليساريو” بيع الوهم من جديد

ضربة قلم

قبل أيام من تصويت مجلس الأمن الدولي على مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية، خرج ما يُسمى بـ“ممثل البوليساريو لدى سويسرا”، أبي بشرايا البشير، بتصريحات مثيرة على قناة فرانس 24، متحدثاً عن “عرض جديد” تقدمت به الجبهة إلى المغرب، يتضمن إنشاء “آلية مشتركة للحوار والمصالحة”، بل و”اقتسام بعض الموارد الطبيعية الصحراوية” مع الرباط، حسب تعبيره.

لكن ما يغيب عن ذهن هذا المتحدث، هو أن العالم بأسره يدرك أن جبهة البوليساريو لا تملك أرضاً ولا سيادة لتفاوض عليها. فمحكمة العدل الدولية في لاهاي كانت قد حسمت المسألة منذ عام 1975 حين أكدت وجود روابط قانونية وتاريخية بين سكان الصحراء والعرش المغربي، وهو ما أسّس للمسيرة الخضراء المجيدة التي استرجع بها المغرب أقاليمه الجنوبية في إطار الشرعية الدولية.

منذ ذلك التاريخ، لم يبقَ في الصحراء سوى علم المغرب ومشاريع تنموية مولتها أموال المغاربة جميعاً، من طنجة إلى الكويرة، في صورة أسرة واحدة تُؤثث دارها بعرق جبينها. فالطرق، والموانئ، والمطارات، والمدارس، والمستشفيات، لم تُبنَ لا بفضل “جبهة” ولا بفضل “دولة وهمية”، بل بفضل استثمارات ضخمة وغيرة وطنية أثمرت نموذجاً تنموياً يُشاد به في إفريقيا.

أما الحديث عن “اقتسام الثروات” أو “ضمان أوضاع المستوطنين” كما جاء في تصريحات البشير، فليس إلا لعباً بالألفاظ ومحاولة لإضفاء طابع الندية على جبهة تُقيم في تندوف، وتضم في صفوفها مرتزقة من جنسيات مختلفة، لا يمثلون الصحراويين المغاربة الذين يشاركون اليوم في المؤسسات الوطنية ويديرون شؤون جهاتهم بكل سيادة.

مقترح الحكم الذاتي.. تنازل سيادي لا يُقدَّر بثمن

لقد قدم المغرب سنة 2007 مقترح الحكم الذاتي تحت سيادته كحل سياسي نهائي، وهو في جوهره تنازل كريم من دولة ذات سيادة تسعى إلى طي صفحة نزاع مفتعل عمره نصف قرن. هذا المقترح وصفه مجلس الأمن مراراً بـ“الجاد وذي المصداقية”، وتبنته اليوم ثلاث من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن: الولايات المتحدة، وفرنسا، وبريطانيا، إلى جانب دعم أكثر من 120 دولة عبر العالم، بينها معظم دول الاتحاد الأوروبي وإفريقيا.

بالمقابل، تواصل “البوليساريو” تمسكها بوهم “الاستفتاء” الذي تجاوزه الزمن، بعدما أثبتت التجارب أنه غير قابل للتطبيق عملياً ولا قانونياً، في ظل غياب لوائح إحصاء دقيقة، وتغير البنية السكانية منذ عقود. فكيف يُستفتى على أرض لم تكن يوماً دولة مستقلة؟

الموقف الأمريكي الجديد.. تحول تاريخي

مشروع القرار الأمريكي الجديد، المنتظر التصويت عليه نهاية أكتوبر الجاري، يُعد منعطفاً حاسماً في مقاربة المجتمع الدولي للنزاع، إذ يؤكد أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الوحيد والواقعي للحل السياسي. بل أكثر من ذلك، تتضمن المسودة إشارات واضحة إلى مصير بعثة “المينورسو”، التي قد تُراجع مهامها في حال عدم تحقيق تقدم سياسي ملموس، ما يعني أن زمن المماطلة قد انتهى.

ولعل ما يزعج قيادة الجبهة الانفصالية هو أن واشنطن تبنت للمرة الأولى مصطلح “الصحراء المغربية” في وثيقة رسمية داخل مجلس الأمن، وهو انتصار دبلوماسي يضاف إلى سلسلة النجاحات التي راكمتها الرباط منذ اعتراف الولايات المتحدة سنة 2020 بسيادتها الكاملة على أقاليمها الجنوبية.

الجزائر والوصاية الخفية

من الواضح أن جبهة البوليساريو لا تتحرك بإرادتها، بل وفق أجندة الجزائر التي لا تخفي رغبتها في الإبقاء على هذا النزاع كأداة ضغط جيوسياسية ضد المغرب. غير أن الرياح الدولية لم تعد تهب في الاتجاه نفسه، فالعالم اليوم يبحث عن الاستقرار والتعاون الإقليمي، وليس عن كيانات وهمية تعيش على المساعدات الإنسانية وتتغذى من خطاب الانفصال.

خاتمة

إن نزاع الصحراء بالنسبة للمغرب ليس قضية حدود، بل قضية وجود. لقد أثبت التاريخ، وأكده القانون الدولي، أن الصحراء كانت وستبقى مغربية، وأن أي حديث عن “تقاسم” أو “استفتاء” هو التفاف على الحقيقة. المغرب، بواقعيته وحنكته، قدّم أقصى درجات التنازل في مبادرته للحكم الذاتي، ولا يمكنه أن يمنح أكثر من ذلك دون المساس بسيادته ووحدته الترابية.

اليوم، الكرة في ملعب المجتمع الدولي: إما دعم حلّ واقعي يضمن الاستقرار والتنمية في المنطقة، وإما الاستمرار في ترديد الأسطوانة المشروخة لجبهة لم تعد تملك حتى قرارها.
وفي النهاية، تبقى الصحراء مغربية، من طنجة إلى الكويرة، بالتاريخ، وبالقانون، وبالإنسان الذي عمرها وحماها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.