دفاتر قضائية

نزاع على أرض… ومقاعد السجن محجوزة مسبقًا!

ضربة قلم

في مشهد لا يختلف كثيرًا عن دراما رمضان، ولكن بإنتاج أقل وبدون مؤثرات بصرية، اهتزت إحدى الضواحي الهادئة التابعة لمراكش على وقع معركة ملحمية “من أجل الأرض”، لا تقل حرارة عن نزاعات الشرق الأوسط، ولكن بأدوات تقليدية: العصي، الحجارة، وربما بضع شتائم من عيار ثقيل.

وبينما كانت الأغنام ترعى بسلام، والهواء يُنعش نفوس السكان البسطاء، انفجرت شرارة الخلاف على أرض “متنازع عليها”، وكأننا أمام نسخة مغربية من مسلسل “صراع العروش”، حيث لا تنقصنا سوى التنانين وكرسي الحكم الحديدي. أما البطل في هذه القصة؟ قطعة أرض يقول كل طرف إنها حقه، وكأن الأرض كتبت وصيتها عند “مقدم الحومة” قبل أن تفارق الحياة.

المعركة لم تخلُ من ضحايا، فقد اضطر عدد من المتعاركين -أو بالأحرى المتحاربين- إلى زيارة قسم المستعجلات بالمستشفى الجامعي محمد السادس، ليس للسياحة الطبية، ولكن لترميم ما تبقى من كرامة بعض الأضلاع والأسنان. فقد أثبتت التحقيقات أن بعض الجروح كانت نتيجة “نطح مباشر” و”تدخل غير قانوني لحذاء طائر”.

رجال الدرك الملكي، الذين يستحقون رواتبهم مضاعفة في مثل هذه السيناريوهات السيريالية، حلّوا بسرعة البرق ليفضوا النزاع. فاعتقلوا سبعة فرسان من أبناء المنطقة، كل يحمل “رواية رسمية” مختلفة، ويقسم بأغلظ الأيمان أن الأرض كانت “لجدهم الذي أوقفها للمسجد”، قبل أن يعترف في آخر المطاف أن المسجد المعني لا يزال في طور الحفر منذ 1972.

وبعد الاستماع إليهم واحدًا تلو الآخر، وإعادة تركيب مشاهد العنف كأننا في جلسة مونتاج لفيلم وثائقي عن التوحش البشري، قرر ممثل النيابة العامة أن يضع ثلاثة منهم خلف القضبان لتأمل أفعالهم، بينما سمح للباقين بأن يتابعوا حياتهم خارج السجن – شرط أن لا يتقابلوا مجددًا، لا في الحومة، ولا في المقهى، ولا حتى في حفلات الأعراس الجماعية.

الملف الآن ينتظر حسمه من قبل الغرفة الجنحية التلبسية، وهي غرفة متخصصة في قضايا “العبث المحلي” من هذا النوع، حيث يتحول حق التملك إلى ساحة معركة، ويصبح الجار أقرب إلى “عدو مستتر”.

وتبقى الخلاصة البليغة: في مغربنا الحبيب، لا تحتاج إلى حدود دولية لتشتعل الحروب، يكفيك قطعة أرض وصك قديم، وبعض الأحفاد “الغيورين على الموروث العقاري”… والباقي تتكفل به المستعجلات، الضابطة القضائية، وقانون العقوبات.

نهاية غير مفتوحة… لكن قابلة للاستئناف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.