الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

نزرع الورود رغم الأشواك

م-ص

تعلمنا في مدرسة الحياة أن الحب ليس درسًا في كتاب، ولا حكمة تُحفظ لتُردّد في الامتحان. الحب سرّ، نافذة مفتوحة على سماوات الروح، نبع يتدفّق كلما لامسنا معنى العطاء ببراءة الأطفال وصدق النوايا. وحين نحب، فإننا لا نمنح القلب وحده، بل نهب جزءًا من وجودنا، قطعة من أرواحنا، أمنياتنا وأحلامنا في ثوب من ثقة نقية. ومع ذلك، علّمنا الزمان أن القلب الذي يعرف كيف يحب، يعرف أيضًا كيف يحمي نفسه. فالتسامح عندنا فضيلة، لكنه لا يعني أن نمسح الكرامة تحت أقدام الآخرين. نحن نغفر، نعم، لكننا لا نسمح للآخر أن يعبث بقداستنا.

تعلمنا أن الغضب نار تأكل صاحبها، وأن الصفح ضوء يضيء الدروب. غير أنّ للصفح حدودًا، وللنقاء حرمة لا تُمسّ. نثور حين يُهان العدل، ونغضب حين تُداس القيم، لكننا نعود سريعًا، لأننا ندرك أن الغضب لا يبني، وأن اليد التي ترتجف بالحنان أقدر على تشييد جسور من الأمل.

تعلمنا أن الخير لا يضيع، حتى لو ضاع من أعين من أنعمنا عليهم. الخير يظل أثرًا في الطريق، رائحة زهر لا تزول، ظل شجرة يستريح تحته عابر مجهول. فما أجمل أن ترى السعادة في عيون من يستحقها، لا سعادة مشروطة ولا محصورة، بل عطاء صافٍ، كالمطر حين ينزل دون أن يسأل الأرض عن لونها.

ولم نندم يومًا على بذرة زرعناها في قلوبٍ قاسية، ولا على دمعة مسحناها عن وجوهٍ جافية. قد طعنونا بخناجر الغدر، وقد صدق فيهم القول المرير: “اتقِ شرّ من أحسنت إليه”، لكنهم لم يطفئوا فينا ضوء النية، ولم يسرقوا دفء القلب. فالعطاء في جوهره أسمى من الجحود، وهو ميراث الأرواح الطاهرة التي لا تُهزم بالخذلان.

الحياة أخذ وعطاء، نعم. لكنها أيضًا ميزان دقيق بين أن تعطي دون أن تفقد نفسك، وأن تحمي ذاتك دون أن تحرم الآخرين من دفئك. الحياة أن تمنح وتُبقي بعضك لنفسك، أن تتنازل حين يكون التنازل كرامة، وأن تتمسك حين يكون التمسك خلاصًا.

ووسط هذا كله، يبقى وجود الأخيار نعمة. هؤلاء الذين يمرون في حياتنا كأضواء هادئة، كزهر برّي ينمو في صمت لكنه يملأ المكان عطرًا. بابتسامة صادقة يداوون قسوة العالم، وبكلمة صغيرة يعيدون لك يقينك بأن الخير ما زال ممكنًا. بهم نؤمن أن الجمال ليس وهمًا، بل حقيقة خفية تُزرع في الأرواح النقية.

إن الجمال في تفاصيل الحياة الصغيرة: في يد تُمسك بك حين تسقط، في كلمة تقول لك “أنت قادر” حين تنهار، في عناق يعيد لروحك يقينها. الجمال في ضحكة طفل، في غروب يلوّن الأفق بحمرة الشوق، في لحظة صمت تُصغي فيها إلى صوت قلبك وتكتشف أنك ما زلت حيًا.

الحياة لم تكن سهلة يومًا، ولن تكون. لكنها أجمل حين نختار أن نزرع الورود رغم الأشواك، أن نغني رغم الصمت، أن نحب رغم القسوة. فالحياة ليست عدد أيام، ولا رصيد سنوات، بل هي ما نتركه من دفء في القلوب، وما نخلّفه من أثر يظل يروي عنا بعد أن نصير ذكرى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.