
م-ص
في زمنٍ صار فيه الكلام ثقيلاً، والوقوف في وجه الريح، مغامرة لا يقوى عليها كثيرون، كانت هناك امرأة اسمها نزهة مجدي.
امرأة عادية في ظاهرها: أستاذة، تحمل طباشيرها، تدخل القسم، وتكتب على السبورة، كلمات بسيطة عن الحروف والأحلام الصغيرة.
لكن خلف ذلك الهدوء، كان قلبها يحمل شيئاً آخر… شيئاً يشبه العناد الجميل الذي يسكن المناضلين.
كانت تقول دائماً إن التعليم ليس وظيفة فقط، بل وعدٌ بين المجتمع وأطفاله.
وأن الأستاذ، مهما بدا بسيطاً، يحمل في حقيبته مستقبل أجيال.
لكن الأقدار كثيراً ما تختبر أصحاب القناعات الصلبة.
في ربيع عام 2021، حين كانت الساحات تمتلئ بالأساتذة، الذين خرجوا يطالبون بحقوق يرونها عادلة، كانت نزهة بينهم.
لم تكن تحمل حجراً، ولا ترفع صوتاً بالشتائم.
كانت فقط تقف…
مثل شجرة صغيرة في مهب الريح.
غير أن الريح، حين تغضب، لا تسأل كثيراً.
فجأة تحولت تلك الأستاذة التي كانت تشرح الدروس في الفصول، إلى متهمة في ملفات المحاكم.
التهمة؟
لم تكن سرقة، ولا فساداً، ولا اعتداء.
التهمة كانت كلمة واحدة تختصر الحكاية كلها:
مناضلة.
اتهموها – كما جاء في الملف – بـ”إهانة موظفين عموميين أثناء مزاولة مهامهم”.
صدر الحكم، واستمر المسار القضائي طويلا، حتى استقر الأمر على ثلاثة أشهر حبسا نافذا.
ثلاثة أشهر قد تبدو قصيرة، في حساب الزمن، لكنها طويلة جداً، حين تُقاس بالقلوب التي تنتظر خلف الأبواب.
دخلت نزهة السجن.
سجن سجن العرجات 1 أولاً.
ثم نُقلت إلى السجن المحلي ببرشيد.
وكأن الرحلة لم تنتهِ، جاء قرار آخر بنقلها إلى سجن لوداية.
رحلة طويلة…
لا في الجغرافيا فقط، بل في القلب أيضاً.
كل انتقال كان يشبه اقتلاع شجرة من تربتها، ثم غرسها في أرض أخرى لا تعرفها.
وكل مرة كانت أمها تسأل السؤال نفسه:
كم تبقى من الطريق، كي تعود ابنتي إلى البيت؟
في الخارج، كانت التنسيقية الوطنية للأساتذة وأطر الدعم، تصدر البيانات، وتطالب بإطلاق سراحها.
وفي جانب آخر، عبرت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عن استيائها من رفض تمتيعها بالعقوبات البديلة.
لكن خلف كل هذه البيانات والبلاغات، كانت هناك حكاية إنسانية بسيطة:
أستاذة…
وأمّ تنتظر…
وبيت ظل بابُه نصف مفتوح.
يقولون إن البطولة تُقاس أحياناً بالصراخ.
لكن الحقيقة أن بعض البطولات هادئة جداً.
بطولة امرأة قررت أن تقول رأياً، في زمن، صار فيه الصمت فضيلة عند البعض.
بطولة أستاذة، لم تحمل سوى صوتها، فوجدت نفسها تحمل أيضاً ثقل السجن.
وفي بلدٍ يشتكي كثيرون فيه من قلة الرجال، ظهرت امرأة…
وقفت وحدها تقريباً.
لا بالسيف،
ولا بالدرع،
بل بالإيمان بأن الكرامة، فكرة لا ينبغي أن تسقط بالتقادم.
ربما تمر هذه القصة في الأخبار مثل أي خبر عابر.
ربما ينساها كثيرون.
لكن في مكان ما، خلف جدران سجن بعيد، تجلس امرأة اسمها نزهة مجدي،
تنظر من نافذة صغيرة إلى قطعة من السماء،
وتفكر في السبورة التي تركتها،
وفي التلاميذ الذين كانوا يكتبون الحروف تحت إشرافها.
ربما تبتسم قليلاً.
ليس لأنها سعيدة،
بل لأنها تعرف أن التاريخ، مهما تأخر،
يكتب دائماً أسماء الذين وقفوا، واللواتي وقفن…
حين جلس الآخرون.
وتلك، في النهاية، هي الحكاية كلها.




