
م-ص
نقسو على أنفسنا أكثر مما ينبغي، كأننا في سباقٍ خفي مع ذواتنا، لا نمنحها مهلة ولا نعترف لها بحق التعب. نُسخّر العقل ليقودنا بصرامة، لا ليسندنا، بل ليدفعنا إلى المثابرة بأي ثمن، فنمضي في طرقٍ رسمناها على عجل، دون تمعّنٍ كافٍ، ودون أن نسأل: هل هذه حقًا دروبنا أم مجرد اختيارات، فرضتها لحظة اندفاع أو خوف من التراجع؟
نمشي ببطء، نعم… لكن ليس ذلك البطء المطمئن، بل بطء مثقل بالشكوك والأسئلة المؤجلة. نُقنع أنفسنا أننا نستثمر في المعنى، في المستقبل، في ما سيأتي، بينما في العمق، نحن نحاول فقط أن نُبرّر استمرارنا، أن نجد سببًا إضافيًا لعدم التوقف، حتى وإن كان الطريق لا يشبهنا تمامًا.
وفي الجهة الأخرى، يقف القلب… صامتًا. لا يحتجّ، لا يُعلن التمرّد، لكنه يتألم. يتألم بصوتٍ خافت لا يسمعه أحد، حتى نحن. يتعلّم كيف يتحمّل، كيف يُخفي وجعه خلف ابتسامة مدروسة، وكيف يُساير إيقاع العقل الذي لا يمنحه فرصة للبوح. هناك، في تلك المسافة الضيقة بين ما نشعر به وما نعيشه، تتكوّن معاناة هادئة، لا تُرى لكنها تترك أثرها في كل تفاصيلنا.
ومع ذلك… نضحك للحياة. نُجيد هذا الدور بإتقانٍ مدهش. نضحك لا لأن كل شيء على ما يرام، بل لأننا اخترنا أن نواجه العالم بوجهٍ لا يعكس هشاشتنا. نرتدي التفاؤل، كما يُرتدى درعٌ شفاف، لا يمنع الألم، لكنه يمنحنا القدرة على الاستمرار، دون أن ننكسر أمام أول عاصفة.
نحن، في الحقيقة، مرضى بتفاؤلٍ عنيد. تفاؤل لا يستند دائمًا إلى معطيات واقعية، بل إلى إيمان داخلي غريب بأن الأمور ستستقيم، ولو بعد حين. قد يبدو هذا التمسك بالأمل سذاجة في أعين البعض، لكنه بالنسبة لنا طريقة للبقاء. لأنه لولا هذا الأمل، لانكشف كل شيء، ولما وجدنا القوة لنواصل السير في طرقٍ، قد لا نعرف نهايتها.
وهكذا، نعيش بين شدّ العقل وهمس القلب، بين قسوةٍ نمارسها على أنفسنا وحنينٍ خافت للراحة، بين واقعٍ لا نُجيده دائمًا، وحلمٍ نُصرّ على تصديقه. لا نتوقف، لا لأننا لا نحتاج إلى التوقف، بل لأننا نخشى أن نصغي لأنفسنا أكثر مما ينبغي… فربما لو فعلنا، سنكتشف أننا كنا بحاجة، منذ زمن، إلى قليلٍ من اللين، وقليلٍ من الرحمة، تجاه ذواتٍ أنهكها الصمود أكثر مما ينبغي.




