مجتمع

نعم، كاد المعلم أن يكون رسولا… أو ربما وزيرا!

ضربة قلم

نحن نعرف جيداً تلك المقولة الشهيرة: “كاد المعلم أن يكون رسولا”، لكن يبدو أن واقعنا المغربي يضيف طبقة إضافية: كاد أن يكون وزيراً، على طريقة بعض الشخصيات التي تصنع المعجزات المهنية من خلف السبورة ومسطرة الخط العربي. نأخذ مثلاً، الوزير مصطفى بايتاس، الذي بدأ حياته العملية كمعلم سنة 1999، أي قبل أن تتعلم كثير من المدارس حتى كيف تُسجل الحضور. بقي في صفوف التعليم العمومي مخلصاً، وهو يوزع الدروس، ويملأ دفاتر الحضور، ويُشعل شمعة على طاولة التصحيح، لمدة تسع سنوات كاملة، أي حتى سنة 2008، وكأنها دورة أولمبية في الصبر والتحمل.

لكن، وهنا تبدأ المتعة الحقيقية، قرر بايتاس فجأة أن التعليم العمومي لم يعد يشبع طموحه السياسي أو ربما يشبع جيبه فقط جزئياً، فحوّل مساره إلى عالم المحاماة. نعم، من السبورة إلى المنبر، من المدرسة إلى قاعات المحكمة، وكأن السنوات التسع من العذاب الأكاديمي كانت مجرد تمارين استعداد لمرافعة أمام المحاكم.

السخرية لا تنتهي هنا: هناك من يظن أن المعلم مجرد ناقل للمعرفة، بينما في الواقع، بعض المعلمين يخبئون في دفاترهم وصفات سحرية للارتقاء السريع في السلم الوظيفي، وربما حتى في السلم السياسي. فالتعليم العمومي ليس فقط ميداناً لنقل الدروس، بل هو ملعب لتجارب القيادة، واختبار للصبر، ومختبر لاكتشاف من يمكنه تحويل “ممحاة السبورة” إلى أداة سياسية فعّالة.

وإذا أضفنا قليلاً من الخيال، يمكننا تصوير بايتاس وهو يكتب الدروس عن “الجغرافيا الاقتصادية” و”تاريخ المغرب الحديث”، وفي الوقت نفسه، يحلم بصعود سلم الوزارة، يتلمس الطريق إلى السياسة كما يتلمس الطالب الإجابة الصحيحة على سؤال امتحان نهاية السنة. وحتى اللحظة التي قرر فيها الانتقال إلى المحاماة، كان كل قلم وورقة في الفصل خطوة صغيرة نحو قبة البرلمان.

خلاصة الأمر؟ نعم، كاد المعلم أن يكون رسولا، ولكنه في حالتنا، كاد أن يكون وزيراً… قبل أن يتقاعد من السبورة ويتسلم ملف الدفاع عن الحقوق، وكأن التعليم العمومي هو مجرد مدرسة تدريب أولية لمسيرة سياسية أو قانونية مرتبة مسبقاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.