الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

نقابي بالأرشيف… حين تُستعار الحشود من الماضي لإخفاء فراغ الحاضر

ضربة قلم

في زمن تتكاثر فيه الشعارات وتتناقص فيه المصداقية، يطفو على السطح نموذج نقابي، اختار أن يجعل من العمل النقابي سلّمًا لطموحات شخصية متعددة، حتى صار اسمه يتردد في المجالس الخاصة قبل العلنية. ليس لأنه قدّم إضافة نوعية للمشهد النقابي، بل لأن سلوكه بات أقرب إلى درس في كيف تتحول الرسالة إلى وسيلة، والقضية إلى مطية.

الرجل، الذي لم يغب عن إدارة الشؤون التي يعرف خباياها المطلعون، كان يتسلّل إلى المرافق ويتحدث بخطابات ملتهبة، مستغلاً مناخ الاحتقان لينفّذ أجندته الخاصة. بدا وكأنه أدرك أن أسلوبه يوشك على الإفلاس قبيل الاستحقاقات المقبلة. فبدل مراجعة الذات أو إعادة ترتيب الأولويات، اختار الهروب إلى الأمام. دعا إلى نشاط نقابي قُدِّم على أنه محطة مفصلية، لكنه انتهى بحضور باهت، لا يعكس الضجيج الذي سبقه. القاعة لم تمتلئ، والوجوه، لم تكن من الوزن الذي اعتاد الاتكاء عليه، والرسالة لم تجد صداها خارج حدود الصور المنتقاة بعناية.

وعندما تكشّف الفارق بين الخطاب والواقع، لجأ إلى حيلة قديمة في ثوب جديد: إعادة تدوير صور قديمة لإيهام المتابعين بزخم لم يكن موجودًا. صور من أرشيف أنشطة سابقة، التُقطت في سياقات مختلفة، جرى ضخّها في الفضاء الرقمي، على أنها توثيق للحظة الراهنة. محاولة لتضخيم ما لا يُضخَّم، وتلميع ما فقد بريقه.

غير أن زمن الصورة المفبركة قصير العمر. فكما يُقال إن الحقيقة لا تموت، فإن الذاكرة الرقمية لا ترحم. سرعان ما تكشّفت التواريخ، وتبيّن الفارق بين الحدث المعلن والحدث الحقيقي. هنا لم تعد القضية مجرد نشاط محدود الحضور، بل تحولت إلى سؤال أعمق: ماذا يحدث حين يفقد “الفاعل النقابي” صلته بالقاعدة، فيستعيض عن الثقة بالتسويق، وعن الشرعية بالاستعراض؟

المفارقة أن العمل النقابي في جوهره، يقوم على التراكم والمصداقية والالتصاق اليومي بانشغالات المنخرطين. أما حين يصبح رهين حسابات شخصية، فإن الجماعة تنفضّ بصمت، ويعلو همس القواعد: “ما اجتمعت أمة على ضلالة”، في إشارة إلى أن الإجماع الشعبي، غالبًا ما يكون مؤشرًا على اتجاه البوصلة.

الصورة التي تليق بالمشهد، ليست صورة الساحة الفارغة، بل صورة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال ظنًا منها أن الخطر قد اختفى. لكنها تغفل أن جسدها ما زال مكشوفًا للعيان. الهروب من الواقع لا يلغيه، وتجاهل التراجع لا يحوّله إلى تقدم.

الاستحقاقات المقبلة تشكّل، بلا شك، امتحانًا حقيقيًا لمدى رسوخ الحضور النقابي على الأرض. فإما أن تعود الحركة النقابية إلى جوهرها الحقيقي: خدمة القضايا قبل الأشخاص، وقطع الطريق على الانتهازية واستغلال العمل النقابي لأغراض سياسية، أو أن تتكشف هشاشة البناء الذي يقوم على الدعاية الزائفة بدل الثقة المكتسبة. وفي نهاية المطاف، لا تصمد إلا التنظيمات التي ترسخ وجودها من خلال العمل الميداني الجاد، لا تلك التي تعيش على أرشيف الصور والتسويق الوهمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.