نقطة ماء.. تسوى ذهبًا! المغرب الأخضر عطشان!

ضربة قلم
في السنوات الأخيرة، صار المواطن المغربي يقسّم يومه إلى ثلاث نوبات:
نوبة انتظار الصنبور كي يتنحنح،
نوبة شتم “الربط العشوائي” الذي لا يربط إلا الأعصاب،
ثم نوبة السخرية السوداء التي تُنعش النفس أكثر من أي ترطيب خارجي!
في القرى كما في المدن، تمرّ الشاحنات الصهريجية كنجوم الروك، يتدافع الناس لقطرة تُوقّع على جباههم شهادة “الحياة المؤقتة”. أما الدولة، فتلقي خطابًا تفاؤليًا: لدينا محطات تحلية وما تدر من أرباح، ومشاريع كبرى، وربط بين الأحواض، وكل شيء تحت السيطرة… بشرط أن تصبروا فقط 5 سنوات إضافية، أو حتى إشعار آخر.
لكن السؤال الذي يحمله العطشى تحت شمس يوليوز:
إذا كانت البحرُ بجانبنا، ومحطات التحلية تتكاثر في التصريحات، فلماذا نُحصي القطرات على رؤوس الأصابع؟
الجواب الرسمي محفوظ: “الماء غالي، والتحلية مكلفة”، فنُعَوِّضها بنقل المياه من منطقة لأخرى، كأننا نُمارس لعبة “جيب الما واهرب”، بينما تتبخر الشبكات في الطريق، كما تتبخر وعود الإصلاح عند أول مناسبة انتخابية.
في بعض المدن، تحوّل العطش إلى احتجاج، وفي بعض القرى إلى طقوس جماعية للصبر. أما في دواوير بعيدة، فالصنبور هو مجرد ديكور حضري لا علاقة له بالوظيفة الأصلية. من كثرة الانتظار، صار الناس يسمّون أبنائهم “سقيا” و”ندى” تفاؤلًا بالحياة.
أما الوزير، فيصرّح من على المنصة بأن “حصة الفرد من الماء انخفضت إلى النصف”، وكأنها بشرى سارة. ومع ذلك، تستمر زراعة البطيخ في قلب الصحراء، ويُسقى العشب الصناعي في ملاعب الكرة أكثر من سقيا المزروعات في الحقول، دون أن يرفّ للمنظومة جفن.
وفي كل مرة ينقطع فيها الماء، يظهر مسؤول جهوي ليبتسم بتفاؤل ويقول:
“لا داعي للقلق، الأمر ظرفي”…
ظرفي مثل أزمة البطالة، وارتفاع الأسعار، وتراجع المدرسة العمومية!
ثم تأتيك فكرة التناوب في الشرب:
الصباح للساكنة، المساء للماشية، والليل للصنابير كي تستعيد عافيتها النفسية.
وإذا تعذر ذلك، فالاقتراح الشعبي جاهز:
نظام “كار بوولينغ” مائي! خمسة جيران يتقاسمون دلواً واحداً، ومن وصل متأخراً يكتفي بـ”المضمضة والتوكل على الله”.
هكذا تحوّلت قطرة الماء إلى ما هو أغلى من الذهب: تُشترى بالدعاء، تُخزَّن في “گاڤوات” بلاستيكية، وتُراقب من طرف الجيران، كأنها مخزون نووي.
وفي نشرة الأخبار، يُعرض شاب يحمل لافتة “الماء حق دستوري”، فيرد عليه مسؤول رزين: “نحن معكم”، ثم يوقّع عقدًا لإنجاز محطة جديدة… موعد التسليم: 2030، أو بعد الفرج السماوي.
الشاب يبتسم ابتسامة يابسة، ويُردّد:
“إلى ذلك الحين، سنشرب التصريحات، ونستحمّ بالبلاغات”.
وإلى أن تصل أول قطرة من ذاك الأفق البعيد، سيظل “المغرب الأخضر” يتصبب عطشًا، يراقب زر “التنمية المستدامة” يلمع في المؤتمرات، كما يلمع السراب فوق رمال زاكورة.
وفي النهاية، قد يكتب أحدهم على جدار من الطين:
“احفظ الماء… فقد تحتاجه لإطفاء حرائق الوعود!”




