سياسة

نهاية الابتزاز باسم الوطن

محمد صابر

قبل الحسم في قضية الوحدة الترابية المغربية داخل أروقة مجلس الأمم المتحدة، مرّ هذا الملف بمسار طويل، شائك ومليء بالمناورات، امتد لأكثر من نصف قرن. خمسة عقودٍ من الزمن كانت كفيلة بكشف معدن الرجال والنساء، وتمييز الغثّ من السمين، والخائن من الوطني الصادق. خلال هذه المرحلة الطويلة، تاجر كثيرون في القضية، وجعلوا منها بضاعة مربحة في سوق الابتزاز السياسي والاقتصادي، مستغلين معاناة ساكنة مخيمات تندوف ومؤجّجين الصراع المفتعل خدمة لأجنداتٍ خارجية لا تمتّ بصلةٍ إلى همّ الوحدة ولا إلى مصلحة المنطقة.

لكن المغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. لقد انتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة والهجوم الدبلوماسي الذكي، مسنودًا برؤية ملكية واضحة المعالم. لم يعد مقبولًا أن يظل المرتزقة يعيشون على فتات هذا النزاع، ولا أن يبقى بعض الخونة يتسكّعون في دهاليز المنظمات الدولية بحثًا عن “منفذ مادي” أو “منحة سياسية” على حساب الوطن.

وجاء الخطاب الملكي الأخير ليضع النقاط على الحروف، في لحظة وصفتها المراقبون بأنها تحوّل استراتيجي في مسار القضية الوطنية. خطابٌ جمع بين الحزم والإنصاف، بين الواقعية السياسية والروح الوطنية، ليعلن بوضوح أن المغرب لن يقبل بعد اليوم بأي ازدواجية في المواقف أو المواقف الرمادية، وأن كل مواطن، أيًّا كان موقعه أو انتماؤه، هو أمام القانون سواء. لا امتياز لأحد، ولا حماية لأحد، فالوطن فوق الجميع، ومن يضع نفسه خارجه فقد اختار مصيره بيده.

بهذا الموقف الملكي الحازم، أُغلِق الباب أمام كل المتلاعبين بالملف، وأُعلنت نهاية مرحلة الابتزاز باسم الوطنية الزائفة. إنها فقرة كافية لوقف النزيف، ولتذكير العالم بأن المغرب لا يطلب شيئًا سوى حقه المشروع في أرضه، ولا يقبل أن تُدار قضاياه العادلة بمنطق المساومات أو الإكراميات الدبلوماسية.

لقد انتهى زمن الغموض، وبدأ زمن المغرب القوي، المستقل، الواثق من نفسه، والمدافع عن ترابه ووحدته بهدوءٍ ولكن بعزمٍ لا يلين. فالقضية التي حاول خصوم الوطن جعلها مؤبدة في سجلات الأمم المتحدة، صارت اليوم في طريق الحسم النهائي، بعدما أدرك العالم كله أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي ليست فقط حلاً واقعياً، بل هي درس في الحكمة السياسية والالتزام بالقانون الدولي.

ولعلّ الرسالة الأعمق في الخطاب الملكي هي أن المغرب لن يسمح بعد الآن لأيٍّ كان أن يبني مجده أو ثروته على حساب وحدة الوطن. فالأرض التي رواها الشهداء بدمائهم لا يمكن أن تكون مطية لأحد. وبهذا، تكون فقرة الملك قد أغلقت جرحًا دام نصف قرن، لتعلن بداية عهد جديد عنوانه:
“الوطن أولاً… والكرامة للجميع.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.