
ضربة قلم
وأخيرًا، قررت وزارة الداخلية أن تُغلق “الحنفية الانتخابية” التي ظل رؤساء الجهات والجماعات الترابية ومجالس العمالات والأقاليم يعبّون منها بلا انقطاع، حتى كاد بعضهم يغرق في فيض المناصب والامتيازات. لقد كان المشهد أشبه بحفل مفتوح للمناصب: كرسي هنا، مقعد هناك، وابتسامة عريضة تقول “ما دام الترشيح مباحًا، فلِمَ لا نترشح لكل شيء؟”.
فالوزارة اكتشفت، متأخرة قليلاً، أن بعض المنتخبين تحولوا إلى موظفين في مهنة السياسة، يتقاضون أجورًا من كل اتجاه: راتب جماعة، وتعويض برلماني، ومصاريف تنقل، ومكالمات هاتفية على حساب الأمة. بل إن البعض منهم أصبح يخلط بين جلسة المجلس الجماعي وجلسة البرلمان، فلا يعرف هل هو بصدد مناقشة ميزانية الجماعة أم قانون المالية!
“فصل السلط” أم “فصل الكراسي”؟
الحجة الرسمية تقول إن الهدف هو “تعزيز مبدأ فصل السلط وضمان تفرغ المنتخبين لمهامهم التمثيلية”. ترجمةً للغة الشعب: “بزّاف عليكم الكراسي”.
فمن غير المعقول أن يستيقظ رئيس جماعة على وقع مشاكل الواد الحار، وينام ليلاً وهو يناقش في الرباط قوانين الاستثمار والمناخ!
الوزارة رأت أن الجمع بين المهمتين ينتج عنه كائن سياسي غريب الهُوية: نصفه “قروي” يغوص في قضايا الطرق والمزابل، ونصفه الآخر “وطني” يتحدث عن النموذج التنموي الجديد. وبين النصفين تضيع البلاد، وتضيع معه الاجتماعات التي لا يحضرها أحد إلا الحارس وكرسي فارغ عليه اسم الرئيس.
وداعًا للمنتخب الخارق
بهذا التعديل، يوشك المغرب أن يودع فئة نادرة من السياسيين الذين كانوا يعتقدون أن تعدد المهام فضيلة. كان الواحد منهم يترشح في كل موسم مثل لاعب كرة يشارك في ثلاث بطولات دفعة واحدة: الجماعة، البرلمان، الغرفة المهنية، وإذا أتيح له الوقت ربما يطمح لرئاسة جمعية الحي أيضًا.
الداخلية قالت كفى.
فالمنتخب الذي يوزع اهتمامه بين شوارع الجماعة وقاعة البرلمان، ينتهي به الأمر لا يرى لا هذه ولا تلك. إنهم أشبه بتلك الهواتف التي تفتح عشر تطبيقات في وقت واحد فتتجمد ثم تنطفئ.
الكرة أيضًا ليست بريئة!
لكن، إن كنا فعلاً بصدد “تنظيف الساحة السياسية”، فالأمانة تقتضي أن يمتد هذا المنع المبارك ليشمل أيضًا رؤساء فرق كرة القدم.
فما فائدة أن نمنع الرئيس من الترشح للبرلمان، ونتركه حاكمًا مطلقًا على رقعة العشب؟
أليس بعض هؤلاء الرؤساء قد اكتشفوا منذ زمن أن كرة القدم طريق مختصر نحو السياسة، وأن “الكُرة” أسرع من أي حملة انتخابية؟
تراهم يبدأون بمساندة الفريق المحلي، ثم ينتقلون بسلاسة إلى رئاسة الجماعة، وبعدها يقفزون إلى البرلمان برعاية “الجماهير الغفورة” التي تظن أن من يسجل هدفًا في الدقيقة التسعين قادر أيضًا على إصلاح الطرقات والإنارة العمومية!
لقد أصبحنا أمام ظاهرة “المنتخب الرياضي الشامل”:
رئيس جماعة في النهار، برلماني في المساء، ورئيس نادٍ في نهاية الأسبوع.
يترأس دورة المجلس يوم الإثنين، ويقود الفريق يوم الأحد، ويقود الحملة الانتخابية في كل موسم انتقالات!
لذلك، ومن باب العدالة الكروية والوقاية السياسية، وجب أن يُدرج في القانون الجديد فصل خاص عنوانه:
“يُمنع الجمع بين السياسة والكرة، حتى لا يتحول الميدان الأخضر إلى منصة انتخابية، واللاعبون إلى ناخبين بالوكالة.”
فكم من هدف كروي كان تمهيدًا لمقعد انتخابي، وكم من جمهور تم استعماله كآلة تصفيق في مهرجانات “غير رياضية”.
والنتيجة؟ لا الفريق يفوز بالبطولة، ولا الجماعة تفوز بالتنمية، لكن الرئيس… دائمًا يفوز بالمنصب!
الخلاصة
وزارة الداخلية قالتها بوضوح وإن بأدب:
“أيها السادة، الكراسي كثيرة في البلاد، لكن لا يمكنكم الجلوس على أكثر من واحد في الوقت نفسه.”
ومن يدري، ربما في التعديل المقبل يُمنع الجمع بين السياسة ورياضة الجري وراء المناصب.




