الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعرياضة

نوستالجيا: أحمد فرس مع رفاق الشباب… حين كانت المحمدية تبتسم بلا موعد

ضربة قلم

ليست كل الصور مجرد لحظة مجمّدة في الزمن؛ بعض الصور نوافذ مفتوحة، على مدينة بكاملها، على نبضها اليومي، على أصواتها وروائحها وحكاياتها الصغيرة، التي صنعت تاريخًا كبيرًا، دون أن تدري. هذه الصورة، الملتقطة سنة 1972 بالمحمدية، هي واحدة من تلك النوافذ النادرة، التي تطل بنا على زمن كانت فيه، البساطة عنوانًا، والرجولة سلوكًا، والرياضة أخلاقًا، قبل أن تكون ألقابًا وكؤوسًا.

خمسة شبّان، يقفون بعفوية، لا تحتاج إلى ترتيب مسبق، ولا إلى عدسة محترفة. وقفة تشبه زمنها: صادقة، بلا تصنّع، وبلا رغبة في الاستعراض. من اليمين إلى اليسار، تتجاور حكايات مختلفة، لكنها تلتقي جميعًا في حب المدينة، والانتماء إليها.

أولهم المعطي، المعروف بلقب “بومعطيط”، اسمٌ ما إن يُذكر حتى تستيقظ ذاكرة رمضانات المحمدية القديمة. الرجل لم يكن نجم ملاعب ولا صاحب أضواء، لكنه كان نجمًا من نوع آخر؛ نجمًا يوميًا، يربط الناس بالوقت وبالطقس وبالفرح الجماعي. رفقة والده، كان يسهر على تنبيه ساكنة المدينة بموعد الإفطار في شهر رمضان الأبرك، عبر صافرة إعلان موعد الإفطار، ذلك الصوت الذي كان يختصر لحظة مقدسة، لحظة اجتماع العائلات حول المائدة، قبل أن تسرق شاشات التلفزة، بالأبيض والأسود، سحر اللحظة. بومعطيط، الذي كان في شبابه، حكمًا في مباريات كرة القدم، يجسّد صورة الإنسان الذي يخدم مدينته من موقع متواضع، لكنه مؤثر، ويترك أثره دون أن يطالب باعتراف.

إلى جانبه، يقف المرحوم أحمد فرس، الاسم الذي لا يحتاج إلى تقديم، لأنه جزء من الذاكرة الوطنية، قبل أن يكون ابن المحمدية. هنا، في الصورة، لا نراه متوَّجًا ولا محاطًا بالكاميرات، بل شابًا من أبناء المدينة، واحدًا من “الدراري”، يشاركهم الضحك والوقفة واللحظة. ومع ذلك، كان يحمل في قدميه حلم مدينة بأكملها، وحلم وطن، كان يبحث عن نفسه، في ملاعب كرة القدم. أحمد فرس، صاحب الكرة الإفريقية الأولى التي دخلت خزائن المغرب، ولاعب المنتخب الوطني وشباب المحمدية، كان رمزًا لمرحلة، كانت فيها القيم الرياضية تسبق الاحتراف، وكان الانتماء للقميص أقوى من أي عقد.

ثم محمد الصقلي، أحد أبناء حي القصبة، الذي كان قد اختفى عن المدينة فجأة، وعياد بوستاني، المقيم حاليًا بالدار البيضاء، شاهد حي على زمن، لم ينقطع خيطه تمامًا، رغم تغيّر الأمكنة. وجوده في الصورة، يذكّر بأن بعض الوجوه، تظل حاضرة، حتى وإن ابتعدت جغرافيًا، لأنها تحمل في ذاكرتها، تفاصيل مرحلة لا تُنسى.

وأخيرًا عبد المجيد البشير، اللاعب السابق في صفوف شباب المحمدية، أحد أولئك الذين صنعوا مجد الفريق بصمت، بعيدًا عن الأضواء الكثيفة التي نراها اليوم. لاعبون كانوا يلعبون بدافع الحب، قبل كل شيء؛ حب الكرة، حب القميص، وحب المدينة التي كانت ترى فيهم أبناءها، قبل أن تراهم نجوماً.

هذه الصورة ليست فقط توثيقًا لأسماء وأشخاص، بل شهادة على المحمدية كما كانت: مدينة صغيرة بقلب كبير، تعرف أبناءها ويعرفونها، حيث الرياضي، والحكم، وموظف الجماعة، والمواطن العادي، كلهم ينتمون إلى نسيج واحد، لا تشقه الطبقية، ولا تمزقه الحسابات الضيقة.

في 1972، لم تكن الكرة الإفريقية، مجرد لقب في سجل الإحصائيات، بل كانت حلمًا تحقق بأقدام أبناء الشعب. ولم تكن الصافرة القوية، مجرد صوت، بل كانت إعلانًا يوميًا عن استمرار روح الجماعة. بين أحمد فرس وبومعطيط والبشير والصقلي والبوستاني، نقرأ سيرة جيل كامل، جيل صنع مجده بهدوء، وترك لنا صورًا، نتأملها اليوم بحنين، وربما بشيء من الحسرة.

إنها نوستالجيا لا تبكي الماضي، بقدر ما تذكّرنا، بأن المدن تُبنى بالناس، وبأن الذاكرة الجماعية، كنز لا يقل قيمة عن أي كأس أو لقب. صورة واحدة… لكنها تحكي حكاية مدينة، وحكاية زمن، وحكاية رجال،مرّوا من هنا، وتركوا أثرًا لا تمحوه السنين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.