الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

نوستالجيا المحمدية: حين كان السلطان يتجول بين الناس ويشتري من دكاكين الحي

ضربة قلم

في زمن جميل من تاريخ المحمدية، حين كانت المدينة ما تزال صغيرة هادئة، تشبه قرية ساحلية كبيرة، أكثر مما تشبه مدينة صناعية مزدحمة، كانت الحياة تسير بإيقاع مختلف؛ إيقاع بسيط وإنساني. كان عدد السكان قليلاً، يعرف فيه الناس بعضهم بعضاً، وتتشابك فيه العلاقات الإنسانية، بروح المودة والاحترام. كان البحر يومها جزءاً من يوميات السكان، وكان النسيم القادم من الشاطئ، يمر بين الأزقة والدكاكين الصغيرة، حاملاً معه رائحة الملح وحكايات الصيادين.

في تلك السنوات، وخلال عهد السلطان محمد الخامس طيب الله ثراه، كانت المدينة تحظى بعلاقة خاصة، مع هذا الملك الذي أحب القرب من الناس. كان للسلطان قصر يطل على شاطئ المدينة، حيث كان يقضي بين الحين والآخر، فترات من الراحة بعيداً عن صخب العاصمة وضجيج المراسيم الرسمية.

غير أن وجوده في المدينة لم يكن يقتصر على الاستقبال الرسمي، أو اللقاءات البروتوكولية، بل كان يحرص أحياناً على القيام بجولات بسيطة داخل أحيائها، يتفقد خلالها أحوال الناس، ويتبادل معهم الحديث، في مشهد يعكس تواضعاً نادراً وقرباً إنسانياً صادقاً.

ومن بين الأماكن التي كان يقصدها أحياناً، حي ديور القراعي، ذلك الحي الشعبي، الذي ظل ينبض بالحياة والبساطة. أزقة ضيقة، دكاكين صغيرة متجاورة، وباعة يعرفهم السكان بالاسم والوجه. هناك، كان يقف السلطان أحياناً، عند دكان صغير يملكه رجل وقور يُعرف في الحي باسم عمي أحمد.

كان عمي أحمد رجلاً هادئ الطبع، ذا بشرة بيضاء وملامح وقورة، وقد ارتسمت على وجهه علامات الطيبة والاحترام التي جعلته محط تقدير الجميع. لم يكن صاحب تجارة كبيرة، لكنه كان معروفاً في الحي ببيع الإسفنج المقلي الذي كان يحضّره بنفسه ويقدمه للزبائن بطريقة تقليدية بسيطة. وكان دكانه الصغير بمثابة نقطة لقاء لسكان الحي، حيث تختلط رائحة القلي بأحاديث الناس اليومية.

وحين كان السلطان يقف عند دكان عمي أحمد، لم يكن المشهد يبدو استثنائياً، بقدر ما كان لحظة إنسانية دافئة. كان يتبادل معه التحية والكلمات القليلة، وربما اقتنى شيئاً من بضاعته، كما يفعل أي زبون عادي. تلك التفاصيل الصغيرة، كانت كافية لتترك أثراً كبيراً في نفوس الناس، ولتصبح بعد ذلك حكاية تُروى جيلاً بعد جيل.

ولم يكن السلطان، حين يتجول بين الدكاكين، يفعل ذلك بسبب ندرة الأطر أو ضعف الإمكانيات، كما قد يتبادر إلى الذهن اليوم، بل كان ذلك نابعاً من تواضع أصيل ورغبة حقيقية، في البقاء قريباً من الناس. كان يدرك أن نبض البلاد، لا يوجد فقط في المكاتب الرسمية، بل في الأسواق الشعبية، وفي الأحياء البسيطة، التي تعكس الحياة الحقيقية للمجتمع.

ومن الطرائف التي كان يذكرها سكان المدينة أن السلطان، حين كان يشتري الخضر أو الفواكه من أحد الباعة في إحدى المرات، كان يحرص في المرة التالية على التبضع من دكان آخر مجاور، حتى لا يشعر أحد بالتفضيل أو الإقصاء. كانت تلك اللفتة البسيطة تعبيراً عن حس إنساني راقٍ واحترام لمشاعر الناس.

كانت تلك اللحظات، بالنسبة لأهل الحي، أشبه بحدث استثنائي يتناقلونه بفخر. كانوا يحكون لأبنائهم كيف أن السلطان وقف هنا، أو تحدث مع فلان، أو اشترى من دكان علان. لم تكن الحكاية مجرد ذكرى، بل كانت جزءاً من ذاكرة جماعية تُروى جيلاً بعد جيل.

هكذا كانت المحمدية في تلك الأيام: مدينة صغيرة تحتفظ بدفء العلاقات وبساطة العيش، وملك يفضل أن يقترب من الناس بدل أن يحيط نفسه بالحواجز. لم تكن تلك الزيارات مجرد لحظات عابرة، بل كانت جزءاً من ذاكرة مدينة كاملة.

اليوم، وقد تغيرت المحمدية كثيراً، وكبرت المدينة وتضاعف سكانها، وتحولت بعض أحيائها إلى كتل إسمنتية صاخبة، تبدو تلك القصص وكأنها صفحات من زمن آخر. زمن كانت فيه العلاقة بين السلطة والمواطن أكثر بساطة، وكانت فيه المدن الصغيرة تحتفظ ببراءتها.

لكن رغم كل التحولات، تبقى هذه الذكريات جزءاً من روح المدينة. فالمكان لا يُبنى فقط بالإسمنت والطرق، بل أيضاً بالقصص التي عاشها الناس فيه، وباللحظات التي منحتهم شعوراً بأنهم جزء من حكاية أكبر.

وهكذا، حين نستعيد تلك الصور القديمة، ندرك أن نوستالجيا المحمدية ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي استحضار لقيم التواضع والقرب من الناس، تلك القيم التي جسدها السلطان محمد الخامس، حين كان يتجول ببساطة في أحياء المدينة، يشتري الإسفنج من عمي أحمد، والخضر من بائع بسيط، ويترك وراءه حكايات صغيرة… لكنها كبيرة في ذاكرة مدينة كاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.