نوستالجيا المحمدية: يا ليت الذي مضى يعود…

ضربة قلم
ليست هذه صورة عادية التُقطت في مدرجات ملعب، بل هي قطعة من الذاكرة الجماعية لمدينةٍ، كانت الكرة فيها أكثر من لعبة، وكانت المدرجات فيها امتدادًا للحي، وللمقهى، وللشارع، وللقلوب التي تجتمع على حب واحد: شباب المحمدية.
في هذه اللقطة القديمة، نرى وجوهًا تشع ببساطة ذلك الزمن، حيث كانت النوايا بيضاء، مثل القمصان، وكانت الهتافات تخرج من الصدر لا من مكبرات الصوت، وكانت الأكتاف تتلاصق دون حساب للاختلافات، لأن الانتماء كان واحدًا، ولأن الفرح كان جماعيًا، ولأن الحلم كان مشتركًا.
هذه الصورة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، إلى زمن كان فيه فريق شباب المحمدية رمزًا للأمل والفخر، وحيث كانت المباريات مناسبات اجتماعية، قبل أن تكون أحداثًا رياضية. كان الناس يأتون من القصبة، ومن العالية، ومن الأحياء المجاورة، ومن الأزقة الضيقة، ليجلسوا جنبًا إلى جنب، في مدرجات متواضعة، لكنها عامرة بالحب والانتماء.
نتعرّف في هذه الصورة على المرحوم فريد خلوق، رئيس فريق “لاجيام”، والمنادجر المجاني لعدد من اللاعبين الذين أعطوا الكثير لكرة المحمدية، رجلٌ من طينة خاصة، لم يكن يرى في الكرة تجارة ولا وسيلة للربح، بل كان يعتبرها رسالة تربوية، ومدرسة للأخلاق قبل أن تكون سباقًا نحو الانتصارات. كان حضوره في محيط اللاعبين أشبه بحضور الأب أكثر منه حضور المسير، يزرع فيهم حب القميص والانضباط قبل أن يزرع فيهم تقنيات اللعب.
وإلى جانبه المرحوم يوسف الشبابي، الذي ظل قيد حياته يعشق لون “الشباب” حتى النخاع، عشقًا لا تشوبه مصلحة ولا يخدشه تبدل الأزمنة. وإلى جانبهما يظهر نور الدين المعروف بلقب “كيزر”، أحد أشقاء اللاعب السابق لفريق شباب المحمدية “شان”، وواحد من أولئك الذين عاشوا الكرة كجزء من تفاصيل حياتهم اليومية، لا كفرجة عابرة ولا كموعد موسمي، بل كهوية وانتماء لا ينفصلان عن اسمه وذاكرته.
ويطل علينا كذلك الحاج بلعربي، الذي ظل قلبه عامرًا بحب فريق شباب المحمدية، حبًا صافيًا لا يشيخ، وإدريس لكريني الذي يُحسب بدوره، على زمرة المفتونين بعشق هذا الفريق، أولئك الذين لم يحتاجوا إلى ألقاب ولا مناصب ليكونوا أوفياء، بل اكتفوا بمقاعد المدرجات ليعلنوا انتماءهم في الصمت والهتاف.
كما تظهر في الصورة وجوه محمّدية معروفة، من بينها الأستاذ حفيظ إيدوت، الذي يمثل جيلًا جمع بين الثقافة والرياضة، بين العقل والقلب، بين الكلمة والهتاف، جيلًا كان يرى في المدرج، امتدادًا للمدرسة، وفي التشجيع، فعلًا حضاريًا، وفي الانتماء، قيمة أخلاقية قبل أن يكون انحيازًا رياضيًا.
ولا يمكن أن تمرّ الصورة دون ذكر صديق الجميع، المرحوم الصامت أحمد ولد لمعلم لحسن، ذلك الاسم الذي يكفي وحده ليستحضر طيبة ذلك الزمن، زمن كان الناس فيه يُعرفون بأخلاقهم، قبل صورهم، وبمواقفهم قبل أسمائهم.
الأطفال الجالسون في الصفوف الأمامية، بعيونهم الواسعة وملابسهم البسيطة، هم اليوم آباء وربما أجداد، لكن تلك النظرات المعلّقة بالميدان، بقيت ساكنة في الذاكرة. كانوا يرون في اللاعبين أبطالًا، وفي الفريق حلمًا، وفي الانتصار، وعدًا بمستقبل أجمل.
هذه الصورة لا توثّق مباراة فقط، بل توثّق مرحلة كاملة من حياة مدينة:
مدينة كانت فيها الكرة لغة مشتركة، وكان فيها التشجيع فعل حب، وكان فيها الخلاف، ينتهي مع صافرة الحكم، وتبدأ بعده المصافحة والضحكة والحديث عن الهدف الضائع.
اليوم، ونحن ننظر إلى هذه الوجوه، نشعر أن الزمن كان أبطأ، وأن العلاقات كانت أصدق، وأن المدرجات كانت مدارس للتسامح والانتماء، لا منصات للفرقة والاحتقان.
نشتاق لذلك الزمن، لا لأن نتنكر للحاضر، بل لأن الماضي، يذكّرنا بما كنّا عليه، حين كانت القلوب أخف، وكانت الأحلام أبسط، وكانت المدينة كلها فريقًا واحدًا.
رحم الله من رحلوا في هذه الصورة، ورحم زمنهم الجميل، وزمن القيم التي عاشوا بها، وزمن الكرة التي كانت تُلعب بالنوايا الحسنة قبل الصفقات والأحذية الحديثة.
ويبقى شباب المحمدية، رغم تقلب الأيام، شاهدًا على أن لهذه المدينة، ذاكرة لا تموت، وأن للمدرجات أرواحًا لا تُنسى، وأن الصور القديمة، ليست أوراقًا صفراء، بل مرايا لقلوبٍ كانت تنبض بحب واحد: المحمدية وشبابها.
رحم الله الموتى جميعًا…
وأدام في الأحياء، هذا الحنين النبيل، لأنه وحده يربط الحاضر بالماضي، ويذكّرنا أننا كنّا يومًا أجمل، حين كنّا أبسط.




