الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

نوستالجيا بنسليمان… محمد بيش وذاكرة زمنٍ أنقى وأنظف

ضربة قلم

رغم أننا لسنا من هواة نفخ البالونات، ولا من عشاق المديح المجاني، إلا أننا تعودنا أن نقول الحقيقة كما هي، بلا مساحيق ولا رتوش، وألا نخشى في ذلك لومة لائم ولا كيد لئيم. فالكلمة الصادقة، مهما بدت موجعة أحيانًا، تظل أرحم من صمتٍ يتواطأ مع النسيان، وأصدق من خطابٍ يختزل الرجال في شعارات عابرة.

سكان مدينة بنسليمان القدامى، أولئك الذين عاشوا تحولات المدينة مرحلةً مرحلة، يتذكرون جيدًا شابًا صغيرًا حل بها ذات يوم، لا يحمل معه سوى إرادة العمل، وصدق النية. جاء غريبًا عن المكان، لا سند له ولا ظهر، لا يعرف أين يتجه ولا إلى من يلجأ، ولم يرث عن والديه مالًا ولا عقارًا ولا امتيازًا، لكنه ورث شيئًا أثمن من كل ذلك: الإخلاص في العمل، والنزاهة في المعاملة، والوفاء للكلمة. وهي صفات شهد له بها الأجانب قبل المغاربة، وشهدت له بها المعاملات اليومية، قبل الخطب والمنابر.

كان ذلك الشاب هو محمد بيش، رحمه الله، الذي شق طريقه في الحياة من الصفر تقريبًا، لا يتكئ إلا على نفسه، ولا يستقوي إلا بضميره. عرف معنى القسوة في طفولته، وتجرّع مرارة الحرمان في بداياته، لكن تلك القسوة، لم تحوله إلى رجل قاسٍ، بل زرعت في قلبه إنسانية نادرة، جعلته أقرب إلى البسطاء منه إلى المتنفذين، وأقرب إلى آلام الناس منه إلى موائد الامتيازات. ومن وفائه للعمل، ومن صدقه في المعاملة، كان له نصيب من النجاح، حيث آل إليه مطعم وفندق صغير وسط مدينة كمبولو، لم يكونا مجرد مشروع تجاري، بل كانا فضاءً للقاء، ومحطة يعرفها الجميع، وشاهدًا على مسار رجل، صعد بعرق جبينه لا بوساطة أحد.

وحين تولى رئاسة فريق حسنية بنسليمان، لم يكن الأمر بالنسبة إليه وجاهة اجتماعية ولا سلطة رياضية، بل مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون إدارية. في عهده، عاش الفريق لحظات ذهبية، لا تزال محفورة في ذاكرة محبيه، حيث كان الانتماء للفريق انتماءً للمدينة كلها، وكانت الرياضة مرآة لروح الجماعة، لا مجالًا للصراعات الخفية. كانت تلك المرحلة عنوانًا، لزمن كانت فيه النتائج تُصنع بالاجتهاد لا بالمناورات، وبالعمل الميداني لا بالبيانات الجوفاء.

وحين انتقل إلى تدبير الشأن المحلي برئاسته لجماعة بنسليمان، عرفت المدينة أشواطًا من التنمية الهادئة، لا الصاخبة، تنمية تُنجز أكثر مما تُعلن، وتُبنى في الأرض لا في البلاغات. في تلك المرحلة، لم يكن اسم الفساد يتردد على الألسن، كما هو الحال اليوم، ولم تكن أخبار الابتزاز ولا الفضائح المالية ولا الصراعات السياسية اليومية، تشغل الرأي العام المحلي. كان المجلس الجماعي يُنظر إليه باعتباره مؤسسة لخدمة السكان، لا مسرحًا لتصفية الحسابات، ولا بوابة لتضخيم الثروات. كانت البساطة في التدبير انعكاسًا، لبساطة الرجل نفسه، وكانت النزاهة، إن لم تكن كاملة، على الأقل مبدأً حاكمًا، لا مجرد شعار انتخابي.

لقد عاش محمد بيش فترات عصيبة في حياته، ومر بطفولة قاسية، وتجارب شاقة، لكنه خرج منها إنسانًا أكثر قربًا من معاناة الآخرين، وأكثر فهمًا لمعنى الحاجة والكرامة في آن واحد. لذلك لم يكن غريبًا أن يشهد له المقربون منه، بل وحتى خصومه، بإنسانيته وطيبته وحضوره الهادئ، الذي لا يطلب الأضواء ولا يلهث خلف التصفيق. كان من أولئك الرجال الذين يمرون في الحياة دون ضجيج، لكنهم يتركون أثرًا عميقًا في الذاكرة.

واليوم، ونحن نرثي حال مدينة بنسليمان، ونقارن بين أمسها ويومها، لا نفعل ذلك بدافع الحنين الساذج إلى الماضي، بل من باب استحضار نموذجٍ كان ممكنًا، وواقعٍ كان أقل توترًا وأقرب إلى المعقول. لا نقول إن تلك المرحلة، كانت مثالية أو خالية من الأخطاء، ولكننا نقول إن روحها كانت مختلفة: روح خدمة لا روح غنيمة، وروح مسؤولية لا روح مصلحة ضيقة.

ومن هنا، فإن ذكر اسم محمد بيش لا يأتي في سياق التمجيد الأجوف، ولا في إطار كتابة مرثية عاطفية، بل باعتباره رمزًا لمرحلة من تاريخ المدينة، ووجهًا من وجوهها التي صنعت صورتها في زمن ما. إنه استحضار لسؤال بسيط وعميق في آن واحد: لماذا تغيّر كل شيء؟ ولماذا أصبح الحديث عن النزاهة استثناءً لا قاعدة؟ ولماذا صار الماضي، بكل نقائصه، يبدو أرحم من حاضر مثقل بالشكوك والخيبات؟

رحم الله محمد بيش، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته. وليكن ذكره مناسبة، لا للبكاء على الأطلال فقط، بل للتفكير الجاد في مستقبل هذه المدينة، وفي الحاجة إلى رجال يشبهونه في الصدق، لا في الأسماء، وفي الوفاء، لا في الصور، وفي خدمة الناس، لا في المتاجرة بهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.