نوستالجيا فضالة: ذاكرة شارع الجيش الملكي بين “الخردة والعقاقير” وفندق ميرامار
ضربة قلم
يبدو أن الوقوف عند صورة لشارع الجيش الملكي بمدينة المحمدية (فضالة سابقًا) لا يعد مجرد استرجاع عابر لملامح حجرية أو لافتات محلات تجارية، بل هو في العمق استدعاء لذاكرة مدينة كانت تنبض بتفاصيلها الصغيرة، والتي شكلت لاحقًا جزءًا من هويتها الحضارية والاجتماعية. في الصورة يظهر محل تجاري مغلق يحمل اسم “خردة وعقاقير”، بجانبه محل خياطة، لكن ما يختفي وراء هذه المشاهد البسيطة هو تاريخ طويل يتقاطع فيه الاقتصاد المحلي، التحولات العمرانية، وحياة سكان فضالة الذين عاشوا المدينة بعمقها الإنساني.
الحاج اعلي وذاكرة “العقاقير”
محل العقاقير الذي ظل قائمًا لسنوات طويلة كان في ملكية الحاج اعلي، أحد الأسماء البارزة في المنطقة السفلى من المدينة. لم يكن مجرد تاجر عادي، بل كان من الملاكين المعروفين الذين ساهموا في الحفاظ على تقاليد التجارة المحلية القائمة على الثقة، وعلى العلاقات الإنسانية قبل الحسابات التجارية البحتة. المحل لم يكن فضاءً لبيع العقاقير فقط، بل كان ملتقى لسكان الأحياء، يقصدونه للاستشارة، أو لتبادل الأخبار، أو حتى للحديث عن الحياة اليومية. كان امتدادًا لمفهوم “الدكان” التقليدي الذي يجمع بين التجارة والذاكرة والإنسانية.
عائلة الملاك: الحاج اسعيد والحاج احماد
الحاج اسعيد، لم يكن وحيدًا في هذا المسار. فقد كان أخًا للحاج احماد، واحد من أوائل المنعشين العقاريين بالمحمدية. اسم احماد ارتبط بالعمارة المقابلة للباب الرئيسي للقصبة، والتي كانت رمزًا للمرحلة الأولى من تحولات فضالة نحو المدينة الحديثة. هذه العمارة، مثل غيرها من البنايات التي ظهرت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، جسدت بداية التحول العمراني الذي غير ملامح القصبة والأحياء القديمة. كانت العائلات الكبيرة مثل عائلة الحاج اسعيد والحاج احماد بمثابة “رأسمال اجتماعي” يقود التغيير، إذ لم يكن دورها اقتصاديًا فقط، بل ثقافيًا ومعنويًا أيضًا.
شارع الجيش الملكي: القلب النابض للقصبة
شارع الجيش الملكي لم يكن مجرد شارع رئيسي، بل هو الشريان الذي جمع بين قصبة فضالة العتيقة وبحرها المفتوح. كان يبدأ من قلب الأحياء القديمة وينتهي عند بوابة فندق ميرامار، ذاك المعلمة الفندقية التي عاشت أوجها خلال العقود الماضية قبل أن يطويها النسيان. عبر هذا الشارع مرت أجيال من الطلبة والعمال والتجار والزوار، وكان فضاءً للتسوق والتجوال واللقاءات اليومية. هنا كانت تتقاطع حياة البسطاء مع مشاريع الكبار، وكان المزيج ينتج روحًا حضرية مميزة لا يمكن تكرارها.
من فضالة إلى المحمدية: تحولات الاسم والهوية
تحمل المدينة اليوم اسم “المحمدية”، غير أن اسم “فضالة” لا يزال حاضرًا في وجدان سكانها القدامى. “فضالة” كان أكثر من مجرد تسمية جغرافية، بل كان عنوانًا لمرحلة مليئة بالبساطة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية أكثر دفئًا، والتجارة أكثر قربًا من الإنسان. التحول إلى “المحمدية” رافقه انفتاح صناعي واقتصادي، لكنه لم يمحُ تمامًا تلك النوستالجيا التي تعود كلما نظر أحدهم إلى محل قديم أو سمع اسمًا من الماضي.
ميرامار… الذاكرة التي ختمت الرحلة
وعند نهاية شارع الجيش الملكي، يطل فندق ميرامار كرمز لحلم المدينة السياحي. كان الفندق يستقبل زوارًا من المغرب وخارجه، ويمثل نقطة جذب كبرى لسنوات طويلة. ومع أفوله، طويت صفحة من تاريخ المدينة السياحي، ليبقى مجرد ذكرى يرددها سكان فضالة بشيء من الحنين، كما لو أن انهياره كان إعلانًا عن نهاية مرحلة كاملة من ذاكرة المكان.
في النهاية، صورة “محل خردة وعقاقير” ليست مجرد إطار فوتوغرافي عابر، بل مرآة لزمن بأكمله. زمن فيه كان الشارع ذاكرة، والمحل جزءًا من الهوية، والأشخاص علامات فارقة في سجل مدينة فضالة التي تحولت إلى المحمدية. إن نوستالجيا فضالة ليست مجرد حنين إلى الماضي، بل هي في العمق صرخة حب لمدينة تتغير بسرعة، لكنها تحتفظ في وجدان ساكنتها بصورة قديمة لا يبهت لونها أبدًا.




