الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

رياضة

نوستالجيا لا تعود: حين كان الخميري وفرس وعسيلة يزرعون الرعب ويصنعون مجد الكرة المغربية

ضربة قلم

في زمنٍ كانت فيه الكرة تُلعب بالقلب قبل القدم، وكانت القمصان تُبلل بالعرق لا بالإعلانات، كانت مدينة المحمدية تعيش على إيقاع فريقٍ اسمه شباب المحمدية، لكنه في الحقيقة، كان أكبر من مجرد نادٍ لكرة القدم… كان حكاية مدينة، ونبض جيل، وذاكرة وطن بأكمله.

تلك الصورة القديمة، ليست مجرد لقطة عابرة لثلاثة رجال التقوا أمام عدسة كاميرا ذات مساء بعيد، بل هي وثيقة من ذهب تختصر زمناً كاملاً من الجمال الكروي المغربي. صورة تجمع بين عبد القادر الخميري، وأحمد فرس، وحسن عسيلة… ثلاثة أسماء حين تُذكر، يعود المغاربة إلى سنوات الكرة النظيفة، والفرجة الحقيقية، واللاعب الذي كان يدخل الملعب ليقاتل من أجل القميص، لا من أجل “البريم” وعدد المتابعين.

في وسط الصورة، يقف الراحل عبد القادر الخميري، الرجل الذي لم يكن مجرد مدرب أو مؤطر، بل كان أباً روحياً لجيل كامل من اللاعبين. لاعبٌ مرّ من تجربة فرنسية مع نادي Red Star العريق، وهناك تعلّم معنى الانضباط والجدية واللعب بعقلية احترافية قبل أن تصبح كلمة “الاحتراف” موضة في الكرة المغربية. كان الخميري مهاجماً مرعباً، من ذلك النوع الذي يجعل الحراس يفقدون النوم قبل المباريات، لأنه كان يسجل من أنصاف الفرص، ويعرف كيف يقتل المباراة في لحظة صمت.

لكن أعظم ما فعله الرجل ربما لم يكن داخل المستطيل الأخضر، بل خارجه. حين عاد إلى المغرب، ارتبط اسمه بشباب المحمدية، ليس كمدرب عادي، بل كصانع رجال. كان يعرف كيف يدخل إلى نفسية اللاعب، كيف يوقظ داخله روح التحدي، وكيف يحول غرفة الملابس إلى عائلة صغيرة. لم يكن يصرخ كثيراً، لكنه كان يملك تلك الهيبة الهادئة التي تجعل الجميع يحترمه. وكان يؤمن أن اللاعب إذا ارتاح نفسياً، أبدع فوق العشب.

أما على يمين الصورة، فيقف الأسطورة الراحل أحمد فرس، الاسم الذي لا يحتاج إلى تعريف. أول مغربي يفوز بالكرة الذهبية الإفريقية، وأحد أعظم من لمس الكرة في تاريخ المغرب. لم يكن فرس مجرد مهاجم، بل كان مدرسة قائمة بذاتها. لاعبٌ يملك الرؤية، والذكاء، والهدوء، والقدرة على تحويل أبسط كرة إلى لحظة سحرية.

حين كان المرحوم يحمل شارة قيادة المنتخب المغربي، كان المغاربة يشعرون أن لديهم قائداً حقيقياً داخل الملعب. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان يتحدث بلغة الأقدام. وحين قاد المغرب للتتويج بكأس إفريقيا سنة 1976، لم يكن ذلك مجرد لقب، بل كان إعلاناً بأن الكرة المغربية قادرة على مقارعة الكبار.

وفي الجهة اليسرى من الصورة، يظهر الراحل حسن عسيلة، ذلك اللاعب الذي كان يلعب وكأن الكرة جزء من جسده. كان يملك خفة استثنائية، ومهارة تجعل المدافعين يدورون حول أنفسهم. والأجمل من كل شيء، ذلك التفاهم السحري الذي جمعه بصديقه وزميله فرس. كانا يتحركان وكأن بينهما لغة سرية لا يفهمها أحد. تمريرة قصيرة من فرس، انطلاقة من عسيلة، ثم هدف يهز المدرجات… وكأن الجماهير تحفظ المشهد عن ظهر قلب.

ثنائية فرس وعسيلة، لم تكن مجرد انسجام كروي، بل كانت واحدة من أجمل قصص التفاهم في تاريخ الكرة المغربية. لعبا معاً في شباب المحمدية، وتألقا مع المنتخب المغربي، وصنعا لحظات ما تزال محفورة في ذاكرة من عاشوا تلك السنوات. كانا يمثلان روح الكرة الجميلة، حين كان اللاعب المغربي يلعب بعفوية الشارع، وبقلب الحومة، وبأحلام البسطاء.

وفي تلك الفترة، لم يكن شباب المحمدية فريقاً عادياً. كان مرعباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الفرق الكبرى كانت تدخل إلى ملعب البشير، وهي تدرك أنها ستخوض حرباً كروية حقيقية. هناك، وسط جماهير عاشقة حد الجنون، كان الفريق الشبابي يتحول إلى آلة فرجة لا ترحم. وكانت المدرجات بدورها تملك أسطورتها الخاصة: الراحل الرداد خلوق، الرجل الذي لم يكن مجرد مشجع، بل كان روح المدرجات ومحركها الحقيقي. بصوته وحماسه المشتعل، كان يشعل الحماس في القلوب قبل الحناجر، ويحول الملعب إلى بركان من التشجيع والوفاء. كان الجمهور يلتف حوله، كما يلتف الجنود حول قائدهم، وحين يهتف، تهتز المدرجات؛ وكأن المحمدية كلها تصرخ باسم فريقها. لقد كان الرداد خلوق واحداً من أولئك الرجال الذين جعلوا من التشجيع فناً ومن الانتماء عقيدة، حتى صار جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة شباب المحمدية الجميلة.

ولم يكن الأمر مقتصراً على الراحلين فرس وعسيلة فقط، بل كان الفريق يضم أسماء صنعت المجد: الإخوة حدادي، والإخوة الرعد، الإخوة وركة (ميكيل) وأسماء أخرى كثيرة، حملت روح المدينة فوق أكتافها. حتى اللاعبون الأجانب الذين مروا من المحمدية، وقعوا في حبها. بعضهم جاء من أجل الكرة، لكنه بقي لأنه وجد مدينة تشبه القلب: بسيطة، دافئة، وصادقة.

كانت المحمدية آنذاك، مدينة تعيش الكرة بكل تفاصيلها. المقاهي تتحدث عن التشكيلة، والأطفال يقلدون أهداف فرس في الأزقة، والبحر نفسه كان يبدو وكأنه يسمع هتافات الجماهير مساء الأحد. لم تكن الكرة مجرد رياضة، بل كانت هوية جماعية، وفرحاً شعبياً، وذاكرة تتقاسمها العائلات جيلاً بعد جيل.

واليوم، حين ننظر إلى تلك الصورة القديمة، نشعر بشيء من الحزن الجميل. حزن لأن الزمن تغيّر، ولأن كثيراً من تلك الوجوه رحلت عنا، لكنها تركت وراءها إرثاً لا يموت. فهناك أناس يرحلون بأجسادهم فقط، أما حكاياتهم فتبقى معلقة في ذاكرة الملاعب، وفي قلوب الجماهير، وفي الصور الصفراء التي تقاوم النسيان.

لقد كانت الكرة في المحمدية أكثر من نتائج وألقاب… كانت فناً، وكرامة، وأخلاقاً، ودفئاً إنسانياً، نفتقده كثيراً اليوم. وربما لهذا السبب، كلما ذُكر أحمد فرس أو حسن عسيلة أو عبد القادر الخميري، يشعر المغاربة بأنهم لا يستحضرون مجرد لاعبين، بل يستعيدون زمناً كاملاً، كان فيه لكرة القدم طعم آخر… طعم النوستالجيا الجميلة التي لا تعود.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.