هاجس العودة.. قراءة في مسار العلاقات المغربية الإسبانية منذ سقوط الأندلس

كتب: عبد المالك عزيزي/ وجدة
منذ سقوط الأندلس، لم تعد العلاقة بين المغرب وإسبانيا، مجرد علاقة بين بلدين تفصل بينهما مسافة قصيرة عبر مضيق جبل طارق، بل أصبحت محكومة، بدرجات متفاوتة، بذاكرة تاريخية ثقيلة، وبمصالح وصراعات وحسابات، ظلت تتغير أشكالها دون أن تختفي جذورها.
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جانب مهم من مسار العلاقات المغربية الإسبانية عبر القرون، انطلاقاً من فكرة أعتقد أنها ظلت حاضرة، بشكل أو بآخر، في التفكير الإسباني تجاه المغرب؛ فكرة أطلق عليها هنا اسم «هاجس العودة».
والمقصود بهذا الهاجس ليس بالضرورة رغبة معلنة أو سياسة ثابتة لاستعادة الأندلس، وإنما ذلك القلق التاريخي من أن يتحول المغرب، بحكم موقعه الجغرافي وقربه من شبه الجزيرة الإيبيرية، إلى نقطة انطلاق لقوة قد تعيد إلى الواجهة ما اعتقدت إسبانيا، أنها طوته نهائياً بسقوط غرناطة.
ومن هنا تبدأ الحكاية…
في اللحظات الأخيرة من غرناطة، خرج آخر ملوكها، أبو عبد الله محمد الصغير، من المدينة بعد سقوطها في يد الملوك الكاثوليك، متجهاً نحو المغرب. وترتبط هذه اللحظة في الذاكرة التاريخية بالرواية الشهيرة التي تقول، إنه التفت إلى غرناطة باكياً، فقالت له أمه عبارتها التي ظلت حاضرة في كتب التاريخ: «ابكِ كالنساء على مُلكٍ لم تحافظ عليه كالرجال».
وصل محمد الصغير إلى مدينة غساسة، الواقعة قرب مليلية، وبقي فيها مدة قبل أن ينتقل إلى فاس. وكانت غساسة آنذاك ميناءً نشيطاً ومدينة مزدهرة، استقبلت الملك المخلوع ومن رافقه من الأندلسيين، قبل أن تلتحق بهم أعداد أخرى من المهجرين الذين توزعوا لاحقاً بين غساسة ومناطق مغربية مختلفة.
لكن المسار الذي أعقب سقوط غرناطة، لم يكن وفياً للعهود والضمانات التي رافقت تسليم المدينة. فقد تعرض المسلمون واليهود لضغوط متزايدة، ثم توالت سياسات التنصير القسري والاضطهاد والتهجير، بينما تعرضت معالم دينية وحضارية عديدة للتغيير أو الإزالة أو إعادة التوظيف، ومن بينها مئذنة إشبيلية التي أصبحت جزءاً من كاتدرائيتها.
وهنا تبدأ، في تقديري، إحدى أكثر الحلقات، إثارة للتأمل في تاريخ العلاقة بين الضفتين.
فإسبانيا، لم تواجه فقط إرث الأندلس داخل أراضيها، وإنما كان عليها أيضاً أن تتعامل مع حقيقة وجود آلاف المهجرين الأندلسيين في الضفة الجنوبية للمتوسط، أي في المغرب. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم جانب من السياسة الإسبانية تجاه السواحل المغربية، خصوصاً في فترات ضعف الدولة المغربية، باعتبارها سعياً إلى تأمين المواقع الاستراتيجية ومنع نشوء قواعد، يمكن أن تتحول، مستقبلاً، إلى منطلق لاستعادة الأندلس.
ومن هنا أستحضر مفهوم «هاجس العودة».
وهو هاجس أعتقد أنه ظل، بدرجات متفاوتة، حاضراً في العقل الاستراتيجي الإسباني تجاه المغرب. وقد يكون من بين العوامل التي تساعد على تفسير استمرار التمسك الإسباني بسبتة ومليلية، وعدد من الجزر المغربية، إلى جانب الحرص على تعزيز الحضور العسكري والأمني فيها.
وبطبيعة الحال، فإن التاريخ لا يمكن اختزاله في عامل واحد، كما أن العلاقات المغربية الإسبانية، عرفت محطات متعددة من الصراع والتعاون والمصالح المتبادلة. لكن قراءة استمرار الوجود الإسباني في بعض الأراضي المغربية من زاوية «هاجس العودة» تفتح باباً مختلفاً لفهم جذور هذا النزاع الممتد.
في المقابل، اختار المغرب، عبر مراحل تاريخية مختلفة، وسائل متعددة للمطالبة باسترجاع أراضيه، تراوحت بين الضغط العسكري والتحرك الدبلوماسي والمفاوضات.
ومن الوقائع التي تستحق الاستحضار، محاولة حصار مليلية في عهد السلطان محمد الثالث، في سياق تنسيق مغربي جزائري، كان يفترض أن يستهدف مليلية ووهران في وقت متزامن لإضعاف الوجود الإسباني. غير أن الخطة، لم تسر كما كان متوقعاً؛ إذ لم يتم تنفيذ الحصار على وهران بالشكل المتفق عليه، بينما استمر الحصار المغربي لمليلية فترة طويلة من دون أن يؤدي إلى سقوطها.
وتكشف هذه الواقعة، وغيرها، أن استرجاع الأراضي لا تحكمه الرغبة وحدها، بل تحكمه أيضاً موازين القوى والتحالفات والظروف الإقليمية والدولية.
واليوم، أعتقد أن تسوية ملف سبتة ومليلية والجزر المغربية، لا ينبغي أن تُبنى على منطق الغلبة أو فرض الأمر الواقع، وإنما على رؤية سياسية جديدة، تستحضر مصالح الطرفين وتضع الاستقرار الإقليمي فوق الحسابات الضيقة.
ومن بين المقترحات التي أراها قابلة للنقاش مستقبلاً، أن تنتقل المدينتان إلى السيادة المغربية، مقابل منح إسبانيا امتيازات اقتصادية وترتيبات خاصة، تضمن لها مصالحها التجارية والاستراتيجية، بما في ذلك الاستفادة من الموانئ، ضمن اتفاقات واضحة تحفظ حقوق الطرفين.
قد يبدو هذا الطرح، للبعض، مثالياً أو بعيداً عن الواقع السياسي الحالي، لكنه في نظري يظل أكثر قابلية، لبناء حل دائم من استمرار وضع تاريخي معلّق لا يخدم، في نهاية المطاف، لا المغرب ولا إسبانيا.
فالمغرب لا يحتاج إلى حرب جديدة لاستعادة أراضيه، وإسبانيا لا تحتاج إلى التخلي عن مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. ما يحتاجه الطرفان هو شجاعة سياسية لفتح الملف من زاوية جديدة.
لقد أثبتت التجربة أن الملفات التاريخية، لا تختفي بمجرد تجاهلها، وإنما تنتقل من جيل إلى آخر، وتظهر في كل مرة من خلال أحداث جديدة وبأشكال مختلفة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى محاولات الهجرة الأخيرة نحو سبتة من زاوية أوسع، من مجرد كونها ظاهرة مرتبطة بالهجرة. فقد كانت، في جانب منها، تحركاً سلمياً لأشخاص غير مؤطرين عسكرياً ولا مدربين، استطاعوا في وقت وجيز الوصول إلى حدود المدينة، مستفيدين من الظروف المحيطة بملف الهجرة ومن جاذبية بعض السياسات والإجراءات الإسبانية المتعلقة بالمهاجرين.
وهنا ينبغي على إسبانيا أن تتعامل مع مثل هذه الأحداث بعيداً عن «هاجس العودة»، وألا تنظر إليها باعتبارها مشروعاً لاستعادة الأراضي أو تهديداً وجودياً. فالهجرة، مهما كانت دوافعها وتعقيداتها، تظل ظاهرة إنسانية واجتماعية، لها أسبابها العميقة، ولا يمكن اختزالها في نظرية المؤامرة أو في الحسابات الجيوسياسية وحدها.
لكن هذه الأحداث تحمل، في المقابل، رسالة سياسية واضحة: إن استمرار الوضع القائم في سبتة ومليلية ليس حلاً أبدياً.
وإذا كان المغرب قد اختار، في قضية الصحراء، مساراً سلمياً لاسترجاع أراضيه، فإن ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة، يمكن أن يجد بدوره طريقه إلى طاولة الحوار، بعيداً عن التشنج والشعارات، وبمقاربة تدريجية تراعي مصالح الطرفين.
إن مستقبل المنطقة، لا ينبغي أن يبقى رهيناً بإرث القرن الخامس عشر.
المغرب وإسبانيا يملكان ما يكفي من المصالح المشتركة، ليجعلا من البحر الأبيض المتوسط جسراً للتعاون بدل أن يكون حدوداً للصراع. التجارة، والاستثمار، والطاقة، والهجرة، والأمن، والسياحة، والموانئ، كلها ملفات تجعل البلدين في حاجة متبادلة إلى بعضهما البعض.
ولهذا، فإن المطلوب اليوم، ليس أن تنتصر الرباط على مدريد، أو أن تنتصر مدريد على الرباط، وإنما أن ينتصر منطق المستقبل على ثقل الماضي.
أما «هاجس العودة»، الذي أعتقد أنه ظل حاضراً في جزء من التفكير الإسباني تجاه المغرب، فقد آن الأوان لمراجعته والتخلص من رواسبه، كما أن على إسبانيا أن تواجه، في الوقت نفسه، كل الخطابات المتطرفة التي تستحضر الماضي لتأجيج المخاوف، بما في ذلك بعض الأصوات الدينية والسياسية التي تحاول قراءة الأحداث، بمنظار صدام الحضارات أو استعادة أمجاد تاريخية غابرة.
فالدرس الأهم الذي ينبغي استخلاصه من أحداث اليوم، هو أن التاريخ لا يمكن أن يبقى سجناً للمستقبل.
وإذا استطاع المغرب وإسبانيا، أن ينتقلا من منطق «من يملك ماذا؟» إلى منطق «كيف نبني معاً؟»، فقد يصبح بالإمكان الوصول، ولو على مراحل، إلى تسوية تاريخية لملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة، تضعها تحت السيادة المغربية، مقابل ترتيبات اقتصادية واستراتيجية، تضمن لإسبانيا مصالحها المشروعة.
وعندها فقط، يمكن أن يتحول البحر الذي ظل لقرون شاهداً على الصراع، إلى فضاء للتكامل.
وربما، في ذلك اليوم، لن يكون السؤال: من سيعبر إلى الضفة الأخرى؟
بل سيكون السؤال الأكثر أهمية: كيف نجعل الضفتين معاً فضاءً واحداً للأمن والازدهار والعيش المشترك؟



