هجوم على “العديد” وهدنة مرتقبة: الشرق الأوسط بين الصواريخ والصفقات

ضربة قلم
بين نيران التصعيد ورماد الوساطات، عاشت المنطقة خلال الساعات الماضية واحدة من أكثر اللحظات توترًا منذ سنوات، بعد أن استهدفت إيران صباح الإثنين 23 يونيو قاعدة “العديد” الأميركية في قطر بصواريخ بالستية، في هجوم اعتُبر منعطفًا حاسمًا في النزاع المتفجر بينها وبين إسرائيل. لم تكد تمضي ساعات على الحادث حتى أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مساء نفس اليوم، التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار بين طهران وتل أبيب، يوشك أن يدخل حيز التنفيذ.
هجوم محسوب وخسائر محدودة
بحسب مصادر أمنية، أطلقت إيران ما بين 14 و19 صاروخًا من نوع فاتح-110 وشهاب-3 في اتجاه قاعدة “العديد”، التي تؤوي آلاف الجنود الأميركيين وتُعدّ أحد أعمدة الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
أنظمة الدفاع الجوي المتطورة في قطر، ومنها “باتريوت” و”ناسامز”، نجحت في اعتراض معظم الصواريخ، ما حال دون وقوع خسائر كبيرة في الأرواح أو العتاد. إلا أن الرسالة السياسية والعسكرية للهجوم كانت بالغة: إيران مستعدة للمواجهة، ولكن وفق منطق “الردع المحسوب”.
طهران برّرت الهجوم بأنه رد على ضربات إسرائيلية استهدفت منشآت عسكرية ونووية داخل أراضيها، وأكدت أنها أبلغت مسبقًا عبر قنوات دبلوماسية بأن الرد لن يشمل مناطق مدنية أو أهدافًا قطرية بحتة. ورغم التحذير، أعربت الدوحة عن “استياء عميق”، معتبرة الهجوم انتهاكًا واضحًا لسيادتها وأمنها القومي.
اتفاق مباغت… وصمت مريب
في مساء اليوم نفسه، خرج ترامب بتصريح عاجل أعلن فيه التوصل إلى “اتفاق شامل” لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، يبدأ تطبيقه “في غضون ست ساعات”. وأضاف أن الاتفاق مبدئيًا سيستمر لمدة 12 ساعة، مع إمكانية تمديده “إن التزم الطرفان”، واصفًا الخطوة بأنها “انتصار للعقل على الجنون”.
اللافت أن الإعلان جاء من طرف واشنطن فقط، دون تأكيد من تل أبيب أو طهران، ما يزيد من غموض الوضع. حتى اللحظة، لم تصدر أي بيانات رسمية من الحكومتين المعنيتين، ما يجعل الاتفاق أقرب إلى هدنة إعلامية منها إلى تسوية موثقة.
ردود فعل ومخاوف من انتكاسة
الردود الدولية لم تتأخر:
-
دول الخليج وعلى رأسها قطر والسعودية رحّبت بالتهدئة، لكنها دعت إلى ضمانات حقيقية لعدم تكرار “الاعتداءات”.
-
فرنسا وألمانيا اقترحتا إرسال مراقبين دوليين لتثبيت وقف إطلاق النار.
-
أما روسيا والصين، فقد أبدتا تأييدًا مشروطًا، محذرتين من “اللعب بالنار في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة الاستقرار”.
في الجانب الإسرائيلي، تسربت أنباء عن وجود تحفظات داخل الحكومة المؤقتة، التي اعتبرت أن الاتفاق “سُوّق قبل نضجه”، بينما التزمت وزارة الدفاع الصمت. في إيران، اكتفت وسائل الإعلام الرسمية بنقل خبر إعلان ترامب دون تعليق إضافي، في حين تحدّثت مصادر مقربة من الحرس الثوري عن “تريث في الرد” إلى حين تبلور الموقف الإقليمي.
بين هدنة قابلة للانفجار وسيناريوهات مفتوحة
في غياب ضمانات صلبة وآلية رقابة مشتركة، تبدو الهدنة المعلنة هشّة، أقرب إلى محاولة لالتقاط الأنفاس منها إلى اتفاق سلام فعلي. التحركات العسكرية مستمرة على الأرض، والتحالفات الدولية تتهيأ لكل الاحتمالات، ما يجعل من الأيام القليلة المقبلة اختبارًا حاسمًا لمدى جدية هذا الاتفاق.
وفيما يأمل العالم في أن تكون هذه الخطوة بداية لانفراج أوسع، يتساءل مراقبون إن كان هذا “الهدوء المؤقت” مجرد مقدمة لعاصفة أكبر… أم أن الشرق الأوسط تعلّم أخيرًا أن لا أحد يربح حربًا لا تنتهي.




