الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

هذا إلى المتهورين أبطال نشر الفيديوهات: اللعب بالنار ليست بطولة

ضربة قلم

مرة أخرى، تطل علينا موجة من الممارسات الطائشة التي تنشر على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الأمر أصبح سباقًا محمومًا نحو كسب المشاهدات واللايكات، ولو كان الثمن هو حياة صاحب الفيديو أو أرواح أبرياء لا ذنب لهم.

فبعد تدوينة ابتسام لشكر، التي سبقتها حملات مشابهة لأسماء أخرى سعت إلى جذب الأنظار عبر إثارة الجدل، جاء الدور هذه المرة على سائق شاحنة. لم يجد الرجل ما يلفت به الأنظار سوى أن يتباهى بتصوير نفسه وهو يسوق بقدميه، تاركًا المقود للحظ، ومجازفًا على الطريق السيار بتراب إقليم الجديدة. لحظة من العبث كفيلة بأن تتحول إلى مأساة دامية، لا قدر الله، تزهق فيها أرواح وتتشرد أسر وتُغرقنا جميعًا في دوامة حزن وأسئلة لا تنتهي.

إن ما أقدم عليه هذا السائق لا يندرج فقط في خانة الاستهتار بالقانون، بل هو جريمة في حق المجتمع، لأنه يخلط بين شغف الترفيه والبحث عن “البوز” وبين تعريض السلامة الطرقية لأكبر المخاطر. إن الطريق السيار ليس مسرحًا للاستعراض، ولا مختبرًا للتجارب، ولا مكانًا لإثبات الرجولة الكاذبة أو الشجاعة الفارغة.

هؤلاء المتهورون الذين يصرون على تصوير أنفسهم في وضعيات عبثية وخطيرة، متناسين أن كاميرا الهاتف لا توثق بطولة، بل قد تسجل لحظة النهاية. في زمن تتسابق فيه الأمم نحو الابتكار والإنجازات الحقيقية، نجد بعض شبابنا يستسهلون ركوب موجة “الترند”، حتى لو كان على حساب قيم الحياة، وكأن أرواحهم وأرواح الآخرين ورقة رهان على طاولة العبث الافتراضي.

القضية لا تقف عند حدود الفعل الطائش، بل تمتد إلى تأثير هذه الفيديوهات على المتابعين. فحين يشاهد مراهق أو شاب في مقتبل العمر مثل هذه المقاطع، قد يظنها دليلًا على الجرأة أو وسيلة سهلة لنيل الشهرة، فيسعى لتقليدها دون إدراك لما تحمله من مخاطر قاتلة. وهنا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى بؤر لتفريخ السلوكات الخطيرة التي تتعارض كليًا مع قيم المسؤولية والوعي.

كما أن المسؤولية لا تقع فقط على السائق أو صاحب الفيديو، بل تمتد إلى المجتمع الرقمي ككل. فكل إعجاب أو تعليق مشجع أو مشاركة لفيديوهات كهذه يعتبر مساهمة غير مباشرة في تكريس هذه الظاهرة. إننا اليوم في حاجة إلى وعي جماعي، يرفض أن يتحول الفضاء الافتراضي إلى منبر للتهور، بل إلى فضاء لبث رسائل إيجابية ومفيدة، تحفز على الإبداع الحقيقي بدل الانغماس في التهلكة.

من الناحية القانونية، فإن مثل هذه التصرفات تستدعي صرامة في المتابعة والزجر، لأن السائق الذي يعرض حياة الناس للخطر عن وعي وتصميم، لا يختلف في خطورته عمن يقود وهو تحت تأثير المخدرات أو الكحول. فالقانون هنا ليس عقابًا فقط، بل هو حماية للغير وردع لكل من تسوّل له نفسه تحويل الطرقات إلى ساحات للمغامرة.

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، لا يمكن إغفال أن وراء هذه التصرفات عطشًا للاهتمام وشعورًا بالفراغ، وربما أيضًا أزمة قيم. شباب كثيرون أصبحوا يختصرون النجاح في عدد المشاهدات، ويقيسون قيمتهم بمدى تداول مقاطعهم، في غياب بدائل صحية للتعبير عن الذات وتحقيق الذات. وهذا يستدعي دورًا أكبر للأسرة، وللمدرسة، وللإعلام الجاد، وللمؤسسات التربوية، حتى لا يظل الشباب فريسة سهلة لفيروس “البوز” الذي ينخر العقول ويشوش على بوصلة السلوك.

إننا اليوم، أمام حالة تستوجب وقفة حقيقية: لا يمكن أن نستمر في التعامل مع مثل هذه السلوكات باعتبارها مجرد “طرائف” أو “مقاطع مضحكة”، بل هي ألغام حقيقية تهدد حياة الناس. والمجتمع كله مطالب بأن يرفع صوته بالرفض، وأن يتعاون على محاصرة الظاهرة من جذورها، بدءًا من التربية، مرورًا بالقانون، وصولًا إلى الوعي الجماعي.

فلنتذكر جميعًا أن البطولة ليست في الاستهتار بالحياة، ولا في التلاعب بالمصير، بل البطولة الحقيقية في أن نكون قدوة في المسؤولية والوعي، وأن نستخدم التكنولوجيا لبناء مجتمع آمن، لا لهدمه على أيدينا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.