الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمع

هذا ممنوع على عشاق التفاهة

فوضى المحتوى الرقمي في المغرب: من المؤثرين الحقيقيين؟ ومن يبيع التفاهة بتقنية 4K؟

ضربة قلم

في السنوات الأخيرة، تحول الفضاء الرقمي المغربي إلى سوق مفتوح على مصراعيه. كل شيء يُعرض فيه: من وصفات الطهي التقليدية إلى آخر صيحات الماكياج، من النقاشات السياسية الرصينة (القليلة) إلى مشاهد العبث والمقالب المصطنعة التي تُسجل بجودة عالية وكأنها إنجاز سينمائي. لكن خلف هذه الكاميرات والعدسات، يطفو سؤال جوهري: من هم المؤثرون الحقيقيون؟ ومن هم التجار بالتفاهة في ثوب “نجوم”؟
1. التحول من الصحافة التقليدية إلى “صحافة اللايكات”
كان المواطن المغربي قبل عقد أو عقدين يستقي أخباره وتحليلاته من الصحف الورقية أو النشرات التلفزية. اليوم، يكفي “ستوري” على إنستغرام أو بث مباشر على تيك توك ليصنع ضجة وطنية. هذه السرعة جعلت الكثير من الناس يخلطون بين المعلومة الموثوقة والإشاعة المغلفة بالضحك أو التراجيديا المصطنعة. وهكذا انتقلنا من “الصحافة” إلى “صحافة اللايكات”، حيث القيمة تُقاس بعدد المشاهدات لا بجودة المضمون.
2. المؤثرون الحقيقيون: بين التهميش والبحث عن المصداقية
المؤثر الحقيقي في السياق المغربي هو ذاك الذي يقدم محتوى يضيف شيئًا إلى وعي المتلقي:
مدرس يشرح دروسًا للتلاميذ بطريقة مبتكرة.
طبيب يشارك نصائح صحية مبسطة.
صحفي مستقل يفضح ملفات أو يقدم تحليلات معمقة.
فنان يبدع بأسلوب راقٍ يزاوج بين الثقافة والفرجة.
لكن هؤلاء غالبًا ما يواجهون صعوبات كبيرة: ضعف الدعم، قلة الإشهارات، وعدم اهتمام المنصات بهم مقارنةً بأصحاب “الترند” السهل. النتيجة أن أصواتهم تظل محدودة، رغم قيمتها الكبيرة.
3. باعة التفاهة: نجوم المرحلة
في المقابل، يتصدر المشهد “نجوم التفاهة”. أشخاص يصنعون شهرتهم من لا شيء:
مقالب مصطنعة ومكررة.
تحديات سخيفة مثل أكل كميات ضخمة من الطعام أو القيام بحركات غريبة في الشارع.
صراعات وهمية بين مؤثرين، الهدف منها رفع نسب المشاهدة.
“فضائح” تبث بتقنية 4K وجودة سينمائية تجعل التفاهة تبدو كأنها عمل احترافي.
المضحك المبكي أن هؤلاء يحصدون ملايين المشاهدات، ويجذبون الشركات للإعلانات، فيتحول العبث إلى مورد رزق، بينما يغرق أصحاب المحتوى الجاد في الظل.
4. المنصات الرقمية: الخوارزميات صانعة النجوم
المسؤولية لا تقع على المؤثرين وحدهم، بل أيضًا على الخوارزميات. تيك توك ويوتيوب وإنستغرام لا تفرق بين محتوى هادف ومحتوى فارغ، ما يهمها هو مدة المشاهدة والتفاعل. كلما كان الفيديو صادمًا أو مثيرًا للجدل، كلما ارتفعت قيمته في أعين المنصة. وهكذا، يجد المشاهد نفسه مغمورًا بموجة من الفيديوهات التافهة، حتى لو لم يكن يبحث عنها أصلاً.
5. المتلقي: شريك في الفوضى
لا يمكن أن نحمل المسؤولية فقط على “صناع التفاهة”. الحقيقة أن جزءًا كبيرًا من الجمهور يفضل هذا النوع من المحتوى. فبدل متابعة نقاش حول أزمة التعليم أو تقرير عن الاقتصاد، يفضل كثيرون التسلية الفارغة. الجمهور هو من يمنح للتفاهة جمهورًا، ولولا ملايين المشاهدات، لما استمر هذا “المحتوى”.
6. التحدي: هل يمكن تنظيم المشهد؟
في المغرب، بدأت بعض الأصوات تدعو إلى وضع إطار قانوني وأخلاقي للمحتوى الرقمي، شبيه بما هو موجود في الإعلام التقليدي. لكن السؤال: من يضع هذه القوانين؟ وكيف يمكن التمييز بين الحرية الفردية في التعبير وبين “التفاهة” التي تضر بالذوق العام وتغذي الرداءة؟
الحل ربما ليس في الرقابة وحدها، بل في التربية الرقمية: تعليم الأجيال كيفية استهلاك المحتوى، وتشجيع المنتوج الجاد عبر الدعم والإشهار، حتى يصبح للمؤثر الحقيقي مكانة تليق به.
7. 2026 وما بعدها: من سيربح معركة التأثير؟
تمامًا كما في السياسة، الفضاء الرقمي المغربي مقبل على معركة صامتة: هل سيظل تحت سيطرة “تجار التفاهة” الذين يملؤون الشاشة بالفراغ المضيء، أم أن الجيل الجديد من صناع المحتوى سيجرؤ على فرض نفسه بخطاب جاد، ممتع، وفي نفس الوقت ذو قيمة؟
الخلاصة
فوضى المحتوى الرقمي في المغرب ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي مرآة لذوق اجتماعي مضطرب بين البحث عن التسلية والرغبة في المعرفة. المؤثر الحقيقي هو من يغير شيئًا في وعي الناس ولو بخطوة صغيرة، أما بائع التفاهة فهو من يستغل التكنولوجيا ليبيع “اللاشيء” في أحسن جودة تصوير ممكنة.
وبين الاثنين، يظل المشاهد هو الحكم النهائي: فإما أن يختار أن يكون شريكًا في الرداءة، أو أن يدعم الوعي حتى لا يضيع في بحر من الفيديوهات المدهشة… والفارغة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.