هذه المهن والمهام تفرض على ممارسيها النفاق… وتبا لهذا الأخير

ضربة قلم
النفاق، كلمة ثقيلة على الأذن، وممارسة أشد وطأة على النفس. ومع ذلك، يظل رفيقًا لصيقًا ببعض المهن والمهام والوظائف التي تُلزم أصحابها بأن يضعوا أقنعة متعددة، ويخفوا وجوههم الحقيقية خلف ابتسامات زائفة، وكلمات منمّقة، ومواقف محسوبة بدقة، وكأنهم يؤدون أدوارًا مسرحية لا تنتهي. لكن السؤال المؤلم: هل النفاق خيار فردي، أم أنه فرض مهني لا مهرب منه؟
السياسة: فن الكذب الجميل
أكثر المهام التصاقًا بالنفاق هي السياسة. السياسي الناجح – في نظر قواعد اللعبة- ليس دائمًا من يملك مشروعًا واضحًا أو صدقًا مطلقًا، بل من يجيد الكلام المزدوج، ويبرع في إرضاء الجميع في وقت واحد. أمام المواطنين يتحدث عن العدالة والمساواة، وأمام رجال الأعمال يتحدث عن الاستثمار والامتيازات، وأمام الدبلوماسيين يتحدث عن حقوق الإنسان… لكنه في النهاية لا يقول شيئًا محددًا. السياسة، كما تُمارس اليوم، هي مدرسة كبرى للنفاق، حتى أصبح بعض السياسيين يبررونه باسم “الواقعية” و”البراغماتية”.
المهن المرتبطة بالمال والأعمال
في عالم المال والأعمال، ليس الغالب من يقول الحقيقة دائمًا. فالمسير أو رجل الأعمال يُجبر على إخفاء مشاعره الحقيقية: يبتسم وهو غاضب، يمدح منتوجًا لا يؤمن بجودته، يصفق لصفقة خاسرة فقط لأنها تُرضي شريكًا قويًا. النفاق هنا ليس ترفًا، بل وسيلة للبقاء في السوق، لأن قول الحقيقة قد يكلفك الزبائن والمستثمرين.
الإعلام: بين الموضوعية المزعومة والولاءات الخفية
الصحفي أو الإعلامي – وهو المفترض أن يكون عين المجتمع ولسانه – يجد نفسه هو الآخر محاصرًا. عليه أن يتحدث عن “الموضوعية”، لكنه في الواقع قد يُجبر على انتقاء الأخبار، أو تزيين الحقائق، أو التغاضي عن بعض الملفات خوفًا من الرقيب أو طمعًا في رضا الممول. وهكذا يتحول الإعلامي، من حيث لا يدري، إلى أداة تمويه، يمارس النفاق وهو يلبس عباءة “النزاهة المهنية”.
المهن الدبلوماسية والعلاقات العامة
السفير، أو موظف العلاقات العامة، مطالب دائمًا بأن يكون “لطيفًا” حتى وهو ينقل أسوأ الأخبار. يبتسم في وجه من يكره، ويقول كلمات دافئة لمن يعلم أنه يخفي خنجرًا في جيبه. في هذه المهن، الصدق المباشر قد يُعتبر وقاحة أو تهورًا، لذلك يصبح النفاق مهارة أساسية تُدرَّس وتُمارس يوميًا.
حتى المهن الصغيرة ليست بريئة
قد يظن البعض أن النفاق حكر على المهن الكبرى، لكنه يتسلل أيضًا إلى تفاصيل المهن البسيطة. الموظف الذي يجاملك بابتسامة وهو متضايق من طول طابورك، النادل الذي يقول لك “مرحبا بك” وهو يتمنى أن تغادر سريعًا، البائع الذي يقسم بأغلظ الأيمان أن بضاعته “الأصلية” وهو يعلم أنها مجرد نسخة رديئة… كل هؤلاء يتعلمون النفاق كوسيلة للحفاظ على رزقهم.
النفاق كآلية للبقاء… لكنه قاتل للروح
المثير أن كثيرًا من الناس الذين يكرهون النفاق، يجدون أنفسهم يمارسونه من حيث لا يشعرون، لأن المنظومة كلها قائمة عليه. المجتمع يريد ابتسامة حتى لو كانت زائفة، ويريد مجاملة حتى لو كانت سامة، ويريد وعودًا حتى لو كانت كاذبة. وهكذا، يصبح النفاق “عملة متداولة” في السوق الاجتماعي والمهني، مع أنه في العمق يستهلك الروح ويقتل الصدق.
وتبا للنفاق
قد يقول قائل: إذا كانت المهن تفرض النفاق، فهل نلوم الفرد أم النظام؟ الحقيقة أن كلاهما مسؤول. لكن ما لا يجب أن يُنسى هو أن النفاق مهما طال، يظل هشًا وقابلًا للانكشاف. والمجتمعات التي تُبنى على النفاق سرعان ما تنهار، لأن أساسها هش. لذلك، ورغم أن بعض المهن تفرض على ممارسيها الكذب والتلون، يظل الشرف الحقيقي في التمسك بالصدق، ولو دفعت ثمنه غاليًا.لنفاق قد يكون وسيلة للترقي السريع، لكنه أبدًا ليس طريقًا للاحترام الدائم. لذا، تبا للنفاق… وتحية صادقة لكل من قاومه في زمن أصبحت فيه الأقنعة أكثر من الوجوه.




