ضربة قلم
عن Le Monde بتصرف
لم يكن ذلك الصباح، مختلفاً عن غيره داخل أسوار سجن فيلبينت. روتين يومي صارم، أبواب حديدية تُفتح وتُغلق بإيقاع محفوظ، وحراس تعودوا على تفاصيل حياة، تسير وفق قواعد لا تسمح بالمفاجآت. لكن ما حدث في ذلك اليوم، كسر هذا الإيقاع تماماً، ليحوّل السجن، إلى مسرح لحكاية، تكاد تكون مقتبسة من أفلام التشويق.
في إحدى الزنزانات، كان يقبع شاب من أصول مغربية، يدعى إلياس خربوش، في العشرينيات من عمره، معروف لدى الشرطة الفرنسية، بسبب تورطه في قضايا مختلفة. لم يكن في سلوكه داخل السجن، ما يوحي بأنه يستعد لفصل استثنائي في حياته، لكن خارج الأسوار، كانت الخطة قد بدأت تأخذ شكلها النهائي.
في ذلك الصباح، توقفت سيارة أمام بوابة السجن. نزل منها ثلاثة رجال، يتحركون بثقة، وكأنهم يعرفون المكان جيداً. تقدم أحدهم نحو مكتب الحراسة، حاملاً ملفاً رسمياً، يتضمن أمراً قضائياً بنقل السجين إلى جهة تحقيق أخرى. الوثيقة بدت سليمة؛ توقيع القاضي حاضر، والأختام الرسمية في مكانها، وكل شيء، يوحي بأن الأمر، إجراء قانوني عادي.
تم استدعاء السجين من زنزانته وفق المسطرة المعمول بها. وُضعت الأصفاد في يديه، ورافقه الرجال الثلاثة عبر ممرات السجن الطويلة. الحراس لم يشكوا في الأمر، فكل شيء، جرى وفق ما اعتادوا عليه، في عمليات نقل السجناء.
بوابة أولى فُتحت…
ثم ثانية…
ثم ثالثة.
وخلال دقائق قليلة فقط، خرج إلياس خربوش من السجن، عبر الباب الرئيسي، محاطاً بمن بدا أنهم رجال شرطة، يؤدون مهمتهم.
مرت الساعات بهدوء، ثم مر يوم كامل، دون أن يثير الأمر أي انتباه. لكن بعد نحو يومين، بدأت الحقيقة تتكشف شيئاً فشيئاً: الوثيقة التي قُدمت كانت مزورة بإتقان، والرجال الذين دخلوا السجن، لم يكونوا رجال شرطة أصلاً.
كان السجين قد اختفى.
الحادثة، خلفت صدمة حقيقية، داخل الإدارة السجنية الفرنسية، لأنها لم تكن عملية هروب تقليدية، تتضمن عنفاً أو اقتحاماً. لم تُكسر الأقفال، ولم تُطلق رصاصة واحدة، ولم يحدث تمرد خلف القضبان. كل ما حدث هو خدعة محكمة، استندت إلى وثيقة مزورة وثقة في الإجراءات.
وهكذا تحولت قصة بسيطة ظاهرياً، إلى لغز يربك المحققين، ويجعل كثيرين يشبهونها بحبكة، من أعمال المخرج البريطاني الشهير ألفريد هيتشكوك، حيث يبدأ كل شيء، بشكل عادي تماماً، قبل أن تنكشف فجأة، تفاصيل قصة مليئة بالمفاجآت.
ومنذ ذلك اليوم، ظل السؤال يتردد في أروقة التحقيق: كيف تمكن ثلاثة أشخاص فقط، من إخراج سجين من أحد السجون الفرنسية، عبر الباب الكبير، دون أن ينتبه أحد إلى أن العملية، لم تكن سوى مسرحية متقنة؟