هروب معتقل من قلب مقر أمني يهزّ مراكش ويشعل أسئلة محرجة حول الجاهزية والمحاسبة

ضربة قلم
لم يكن للمراكشيين، مع انبلاج أولى ساعات السنة الميلادية 2026، حديثٌ غير هذه الواقعة التي نزلت على المدينة الحمراء كالصاعقة، واحتلت بسرعة صدارة عناوين الأخبار و”مانشيتات” المنتديات المحلية، قبل أن تتحول إلى موضوع نقاش يومي في المقاهي، ووسائل التواصل، وبين جنبات الإدارات. واقعة غير مألوفة، بل صادمة، لأنها مست قلب المنظومة الأمنية، في لحظة كان يفترض أن تكون عنوانًا للجاهزية القصوى.
ففي ليلة رأس السنة، وبينما كانت المدينة تستعد لطقوس الاحتفال، واستقبال عام جديد، كانت الدائرة الأمنية رقم 25، التابعة للمنطقة الأمنية الثانية بسيدي يوسف بن علي، تعيش على إيقاع استنفار غير مسبوق، بعد تسجيل حادث هروب معتقل وهو مصفد اليدين، من داخل مقر أمني يُفترض فيه أعلى درجات الحراسة والانضباط. مشهد أقرب إلى سيناريوهات الأفلام البوليسية، لكنه هذه المرة جرى في الواقع، وفي قلب مراكش.
الهارب تحرك بسرعة لافتة، وكأن خطة الفرار كانت مرسومة سلفًا. دقائق معدودة كانت كافية ليغيب عن الأنظار، متجهًا خارج المجال الحضري، على أمل أن يوفر له المجال القروي هامشًا للاختفاء والنجاة. غير أن ما لم يكن في حسبانه، هو أن خيوط المتابعة كانت تُنسج في المقابل بوتيرة أسرع، وأن الشرطة القضائية دخلت على الخط بتنسيق محكم ومعطيات دقيقة.
ولم تدم “مغامرة” الهروب طويلًا، إذ تمكنت المصالح الأمنية من توقيف المعني بالأمر بنفوذ الجماعة القروية سيدي عبد الله غياث بإقليم الحوز، ليُعاد من جديد إلى قبضة العدالة، وتُسدل الستارة على فصول القصة، كما بدأت: معتقل مصفد اليدين، لكن هذه المرة تحت حراسة أشد.
غير أن نهاية المطاردة لا تعني نهاية الأسئلة. فنجاح الشرطة القضائية في استرجاع الهارب، على أهميته، لا يمكن أن يُستعمل كذريعة لطيّ الصفحة أو التقليل من خطورة ما وقع. لأن جوهر القضية، لا يكمن في “كيف أُوقف الهارب؟” بقدر ما يكمن في “كيف هرب أصلًا؟”.
حادثة من هذا الحجم لا يمكن توصيفها إلا كفضيحة مهنية، كشفت عن تهاون غير مقبول في الجاهزية والانضباط داخل المقر الأمني المعني، تهاون يرقى إلى مستوى الخطأ الجسيم، لما يحمله من إساءة مباشرة لصورة مراكش الأمنية، التي طالما قُدّمت كنموذج للصرامة واليقظة.
وتزداد خطورة الواقعة حين تُقرأ في سياقها الزمني، حيث تعيش المدينة تحت مجهر وطني وقاري، بل ودولي، بحكم استعدادها واحتضانها لتظاهرة كروية كبرى من حجم كأس إفريقيا للأمم. وهو ما يجعل من المحاسبة وترتيب المسؤوليات ضرورة لا تقبل التأجيل، حماية لهيبة المؤسسات، وصونًا لثقة المواطن، قبل أي شيء آخر.
تنبيه: الصورة معبرة ولا علاقة لها بالمعتقل المعني.




