هزة زاكورة… الأرض تتنفس تحت رمال الجنوب!

ضربة قلم
لم يكن صباح اليوم الثلاثاء عادياً في إقليم زاكورة. بين سكون الصحراء وهمس الواحات، أحسّ السكان برعشة خفيفة في الأرض، وكأنها تنبّههم بأن الطبيعة لا تنام أبداً. المعهد الوطني للجيوفيزياء أكد أن المنطقة عرفت هزة أرضية بلغت قوتها 2.9 درجات على مقياس ريختر، تم تحديد مركزها بجماعة تانسيفت التابعة لدائرة أكدز.
الهزة، وإن كانت ضعيفة وغير مقلقة من حيث التأثير، إلا أنها أعادت إلى الواجهة سؤالاً قديماً: هل الجنوب المغربي فعلاً بعيد عن النشاط الزلزالي، أم أن الأرض تحتفظ بسرّها في صمت؟
بين الصحراء والجبال… صدوع خفية
إقليم زاكورة يقع في نقطة تلاقٍ جيولوجية بين الأطلس الصغير والواحات الجنوبية، وهو ما يجعله من الناحية العلمية منطقة “انتقالية” من حيث البنية الأرضية. لا يعرف الإقليم نشاطاً زلزالياً كبيراً، كما هو الحال في الحوز أو الناظور، لكنه ليس في منأى تام عن اهتزازات متفرقة، تعكس حركة الصفائح التكتونية في العمق.
خبراء المعهد الوطني للجيوفيزياء أكدوا أن ما حدث في تانسيفت هو “هزة معزولة وعادية جداً”، ولا تُنذر بأي خطر مستقبلي، مضيفين أن مثل هذه الاهتزازات تُسجّل دورياً في مناطق مختلفة من المملكة، دون أن يشعر بها غالبية السكان.
زاكورة… حين تتكلم الأرض بلغة الرمال
زاكورة معروفة أكثر بجبالها الجرداء وواحاتها الخضراء، وبنخيلها الذي يقاوم الجفاف، لكنها هذه المرة تصدّرت العناوين بسبب الأرض لا السماء. السكان، حسب شهادات محلية، شعروا بـ”ارتجاج خفيف” استمر لثوانٍ معدودة، دون أن تُسجّل أي خسائر أو أضرار. البعض استغرب، والبعض الآخر استحضر بذاكرته ما وقع في مناطق أخرى من المغرب، متسائلاً إن كانت هذه الهزّة مجرّد تنبيه طبيعي، أو “اختبار صغير” من باطن الأرض.
من مراكش إلى زاكورة… الذاكرة الزلزالية للمغرب
منذ زلزال الحوز الذي هزّ البلاد والعالم في شتنبر 2023، أصبح كل اهتزاز أرضي -مهما كان بسيطاً- يُتابَع باهتمام بالغ. المغاربة صاروا أكثر حساسية تجاه أي خبر يتعلق بحركة الأرض، بعدما اكتشفوا هشاشة البنيات في القرى الجبلية، وضعف الوعي بخطط الإخلاء والتأهب.
لكن زاكورة، رغم بعدها الجغرافي عن مركز الزلازل الكبرى، تظلّ جزءاً من هذه الخريطة الوطنية التي تحتاج إلى ثقافة زلزالية حقيقية، لا تعتمد فقط على “الحظ”، بل على معرفة مسبقة بإجراءات السلامة، والاحتياطات البسيطة التي قد تنقذ الأرواح.
حين تتحدث الأرض… يجب أن نصغي
علم الزلازل ليس علماً للتنبؤ، بل للفهم والتأهب. وكل هزة صغيرة، مهما بدت بسيطة، هي رسالة من الأرض تقول: “أنا حيّة”. ما حدث في زاكورة ليس مدعاة للخوف، بل فرصة للتفكير.
فرصة للجماعات الترابية كي تُحدّث خرائط المخاطر، وللمدارس كي تُدرّب التلاميذ على كيفية التصرف وقت الطوارئ، وللسكان كي يدركوا أن “الأمان الجغرافي” لا يعني الغفلة.
زاكورة ستبقى واحة هادئة… لكن يقظة
رغم الهزّة، الحياة في زاكورة لم تتوقف. الأسواق عادت إلى نشاطها، والنخيل يلوّح كعادته للرياح، كأنه يقول: “مرّت الأمور بسلام”.
الزلزال كان خفيفاً، لكنه ذكّر الجميع بأن حتى في الجنوب الهادئ، هناك نبض عميق تحت الرمال، وأن الطبيعة -كما الإنسان – تتنفس، وتغضب أحياناً، ثم تهدأ.




