رياضةسياسة

هشام أيت مانة، زياش، الدورة الأخيرة والسرعة النهائية

حين تتحول السياسة إلى دوري احترافي والكرة إلى حملة انتخابية بنكهة مونديالية

ضربة قلم

بداية، دعونا نكون كرماء في الدعاء، ونتمنى أن نكون قد أخطأنا في حق هشام أيت مانة، وأنه قرر اعتزال السياسة في نهاية هذه الولاية، والتفرغ كليًا لتدبير الشأن الكروي، مادام الميدان الرياضي بدوره في حاجة إلى من “يفيد ويستفيد”، والمهم أن يظل في الضوء… ما دام الضوء متاحًا!

لكن قبل أن نكمل، يجب أن نوضح أن الموسم الكروي الحالي ليس مجرد موسم كروي عابر، بل هو “الدورة الأخيرة” في سباق الولاية السياسية. هي الدورة التي يختلط فيها العرق الانتخابي بعرق اللاعبين، وتصبح فيها التبديلات داخل الملعب تمهيدًا لتبديلات على مستوى الجماعات والمجالس والبرلمان. إنها آخر جولة قبل صافرة الحَكم الانتخابي… ومن لا يملك جمهوره اليوم، فليبحث عن “جماهير جديدة” ولو عبر “الميركاتو السياسي الصيفي”!

ولأن السياسة في المغرب مثل الدوري المغربي تمامًا: لا يمكنك أن تتنبأ بالفائز حتى الدقيقة 90، وربما بعد مراجعة “الفار الانتخابي”، فقد قرر هشام أيت مانة أن يستعد للسرعة النهائية. والسرعة النهائية هنا ليست فقط في سباق السياسة، بل أيضًا في سباق الشعبية. وهنا تأتي المفاجأة الكبرى: التوقيع مع حكيم زياش، “مرضي ميمتو”، وولد الشعب الذي عشقته الجماهير حتى قبل أن يلمس الكرة.

هل جُنّ هشام؟ أم أنه فهم اللعبة أكثر من الجميع؟

زياش في الوداد ليست صفقة كروية فقط، إنها ضربة انتخابية من العيار الثقيل. فبينما الأحزاب تستعد لتوزيع القفف، أيت مانة يوزع “المهارات” و”التمريرات”، ويخاطب الجماهير بلغة أوضح من أي برنامج انتخابي:

“ها أنا جبت ليكم زياش، واش ما تكفيكمش هاد الهدية؟”

الرسالة وصلت. وربما لم يعد يهم البرنامج الانتخابي بقدر ما يهم “البرنامج التدريبي”، لأن المشجع المغربي – وهو الناخب المغربي نفسه – أصبح يخلط بين من يحرز الأهداف في البرلمان ومن يحرزها في الملعب.

الذكاء السياسي هنا في اختيار التوقيت. فالأشهر المقبلة ليست مجرد تحضير للموسم الرياضي، بل تحضير للسباق الانتخابي الذي يفصلنا عنه أقل من سنة. وكما نعلم جميعًا، لا شيء يجمع الناس مثل كرة القدم، ولا شيء يشتت انتباههم عن الواقع مثل صفقة نجم كبير. وهشام أيت مانة يعرف هذا جيدًا.

فبينما السياسيون الآخرون يوزعون الوعود كمن يوزع أوراق اليانصيب، اختار هشام أن يوزع “الأمل” بقميص الوداد. الأمل في رؤية زياش يلعب في البطولة الوطنية، الأمل في أن يعود “الساحر المغربي” إلى الميدان المحلي، والأمل في أن تشرق الشمس على ملعب دون عجاج السياسة. لكن خلف كل هذا الأمل، هناك ظل طويل لصندوق الاقتراع… ينتظر بهدوء.

الناس في المقاهي الآن لا يتحدثون عن أسعار الطماطم ولا عن غلاء البنزين، بل عن زياش والوداد وأيت مانة، وكيف “قدر يجيب نجم عالمي فهاد الوقت بالذات”.
ومَن قال إن السياسة ليست فنًّا من فنون الإلهاء؟

أما من يعرفون دهاليز المكاتب الخلفية، فيهمسون أن الصفقة ليست رياضية بالكامل، وأن هناك من رسمها في كواليس الظل، تمامًا كما تُرسم خرائط التزكيات الانتخابية. ربما الهدف ليس فقط “احتلال” دائرة سعيد الناصري، الذي يقبع في سجن عكاشة، بل احتلال قلوب جماهيره قبل مقاعد ناخبيه. السياسة تُحب الفراغات، وهشام يعرف أن كل فراغ هو فرصة تمريرة ذهبية.

ولأننا في المغرب نعيش زمن تداخل كل شيء في كل شيء – الرياضة في السياسة، والسياسة في الرياضة، والإشهار في الدين، والدين في المسلسلات – فلا غرابة أن نرى سياسيًّا يخطط لولايته القادمة من خلال استقدام جناح أيمن!
ولأن زياش محبوب، فقد تحوّل التوقيع معه إلى حملة ترويجية مجانية، شعارها الضمني:

“صوّتوا على من يحب زياش!”

والأجمل أن هشام أيت مانة لا يحتاج إلى خطابات مطولة، ولا إلى مهرجانات انتخابية. يكفيه أن يظهر مبتسمًا إلى جوار زياش في ندوة صحفية، والابتسامة وحدها كفيلة بجمع الأصوات. فالناس في زمن الإحباط لا يبحثون عن حلول، بل عن رموز، وزياش رمز.

لكن يبقى السؤال المعلق في الهواء: هل يمكن أن يتحول “التعاقد الكروي” إلى “تعاقد انتخابي”؟ وهل ستتدخل الجامعة أم المجلس الدستوري؟
من يدري! في المغرب، الحدود بين الرياضة والسياسة مثل خطوط الملعب: تُرسم بالطباشير ويمكن مسحها بالماء.

في النهاية، لا يمكن إلا أن “نرفع القبعة” لهشام أيت مانة، لأنه أثبت أن هناك نوعًا جديدًا من المكر السياسي…مكر يعتمد على “تمريرات قصيرة” داخل الميدان و”تمريرات طويلة” في الكواليس. وربما بعد سنوات سيُدرّس هذا في معاهد العلوم السياسية تحت عنوان:

“كيف تكسب الانتخابات عن طريق الميركاتو الصيفي؟”

أما نحن، فسننتظر صافرة النهاية. فربما يتحول الملعب إلى مكتب اقتراع، والمدرب إلى مدير حملة، والجمهور إلى ناخبين يهتفون في المدرجات: ” زيد يا زياش، راه الفوز ماشي غير فالكورة”

ومع ذلك، لا بأس أن نذكّر أن جعبة هشام أيت مانة السياسية تبقى خاوية جدًا جدًا، مثل ملعب بعد صافرة النهاية… لا شيء فيه سوى صدى الشعارات، وبعض اللافتات الممزقة التي تركها جمهور مرّ من هنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.