هكذا يموت المغاربة في صمت، حيث يُطفأ الأمل وتُطفأ القلوب

ضربة قلم
لا أحد يعلم كم من دمعة سقطت في صمت داخل بيوت مغلقة، ولا كم من أنين تم كتمه داخل صدور صلبة لم تتعود على الشكوى. في المغرب، هناك شعب يُقال إنه يحب الحياة، يضحك في المقاهي، يمزح في الأسواق، ويرقص في الأعراس… لكن خلف تلك الوجوه الضاحكة، وجوه أخرى مطفأة، خافتة، لا تجد من يسمعها أو يحنّ إليها.
في الأزقة الضيقة للمدن العتيقة، وفي هوامش المدن الكبرى، وبين الحقول التي جفت فيها المياه، يعيش المغاربة معاناة لا تُرى بالعين المجردة، لكنها تنخر الأرواح مثل السوس في الخشب. أمهات لا يجدن ما يُطبخنه لأطفالهن، شباب قضوا زهرة أعمارهم في المدارس ثم في البطالة، شيوخ جلسوا عند الجدران ينتظرون معاشاً لا يأتي، أو دواءً لا يستطيعون دفع ثمنه، ونساء يبعن الخبز والحلوى في البرد والحرّ، وعيونهن معلقة بدريهمات لا تكاد تكفي لتغطية ثمن الكراء.
في المغرب، هناك من يموت في صمت… موتٌ ليس بالضرورة جسدي، بل نفسي، اجتماعي، معنوي. كم من حلم ذُبح على عتبات الإدارات، وكم من موهبة أُجهضت في زحمة “المعارف” و”الوساطات”، وكم من شاب طرق كل الأبواب فوجدها موصدة، إلا باب الهجرة، أو باب الانحراف، أو باب الاكتئاب.
المدرسة التي كان يُفترض أن تُنير العقول، تحولت عند البعض إلى مكان يُطفئ الأحلام، والمستشفى الذي يُفترض أن يُعيد الحياة، صار عنوانًا للموت البطيء، أما العدالة فغالبًا ما تُمنح لمن يملك المال أو النفوذ، وتُحرم منها أرواح مسحوقة لا تجيد رفع صوتها ولا طرق الأبواب.
في القرى البعيدة، لا تزال النساء يلدن على ضوء الشموع، والمرضى يُنقلون في عربات البغال، والبرد ينهش العظام في غياب التدفئة، بينما يتحدث المسؤولون عن “الجهوية المتقدمة” و”برامج التنمية”.
قد يبدو هذا الكلام سوداويًا، لكنه ليس سوى مرآة لما يشعر به كثيرون… مرآة لحال مغرب غير الذي نراه في التلفاز والإعلانات. مغرب البسطاء، مغرب المهمشين، مغرب الذين لا صوت لهم، ولا حظ لهم، ولا ظهير يرفع عنهم الظلم.
إنها ليست دعوة للبكاء، بل دعوة لكي نسمع صراخًا لا يُسمع، وننظر إلى واقع لا يُرى. فلعلنا نوقظ شيئًا من ضمير، أو نحرك قلبًا باردًا، أو نزرع أملًا في زمن بات فيه الأمل من أغلى العملات.





Start earning instantly—become our affiliate and earn on every sale! https://shorturl.fm/tGMOV