دفاتر قضائيةالشأن المحلي

هل أتاكم حديث الموظفين الذين لا يرتشون… لكنهم يسرقون؟

ضربة قلم

في وقت صار فيه الراتب العمومي أقرب إلى “المنحة الرمزية” منه إلى أجر يكفي للعيش بكرامة، يبدو أن بعض الموظفين العموميين في وجدة قرروا أن يجدوا لأنفسهم ساعات عمل إضافية خارج جدول المصلحة… لكن داخل المحجز البلدي!
نعم، الشرطة القضائية بفاس، بتنسيق دقيق مع مصالح المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، وضعت يدها على عصابة من 17 شخصًا، بينهم أربعة موظفين عموميين، يشتغلون في مؤسسة عمومية، لكن بعقلية “مقاولة خاصة للسرقة والتدوير”.

الموقوفون، حسب المعطيات الأمنية، لم يكتفوا باختلاس أموال عمومية، بل وسّعوا نشاطهم إلى “إعادة التدوير الإجرامي”: سرقة السيارات والدراجات النارية والإلكترونيات التي أودعت في المحجز البلدي بوجدة، ثم تزوير لوحاتها، أو تفكيكها وبيعها كقطع غيار في أسواق المتلاشيات.
بمعنى آخر، تحوّل المحجز من مكان لإيداع المحجوزات إلى مصنع لإعادة إنتاجه!

لكن دعونا نكون منصفين، فليس من السهل على موظفٍ يتقاضى راتبًا بالكاد يكفي كراء بيتٍ متواضع وثمن الخبز والحليب، أن يقاوم إغراء سيارة مركونة بلا صاحب، أو دراجة نارية تنتظر مصيرها. حين لا تكفيك أجرتك، وتسمع عن الزيادات التي لا تصل إلا إلى جيوب الكبار، تبدأ في التفكير المنطقي جدًا بالنسبة لهم:

“ما دام المال العام بلا صاحب، فلنكن نحن أصحابه الجدد!”

وحتى لا يُقال إنهم لصوص، فهم على الأرجح اعتبروا أنفسهم مستفيدين من ساعات عمل إضافية، غير مصرح بها طبعًا، لكن بنظام داخلي خاص… لا تسجله المديرية ولا يراه ديوان المراقبة.
إنها السرقة التي تُمارس بحرفية “إدارية” عالية، وبأختام رسمية، وبمحاضر قانونية شكلًا، غير قانونية مضمونًا.

التحريات أظهرت أن بين الموقوفين المسؤول عن المحجز البلدي وثلاثة موظفين من رفاقه، أي أن السارقين لم يقتحموا المكان من الخارج، بل فتحوا الأبواب بمفاتيحهم الخاصة. ومن نتائج التفتيش التي تثير الدهشة: حجز 10 سيارات، و17 دراجة نارية، و38 هيكل سيارة مفككة، ومجموعة من القطع التي كانت في طريقها إلى أسواق الخردة.
باختصار، الأمر لا يتعلق بسرقة عابرة، بل بمشروع اقتصادي موازٍ داخل مؤسسة عمومية، يدرّ أرباحًا أكثر من ميزانية الجماعة نفسها!

في بلدٍ تُروّج فيه الحكومة لشعار “الرقمنة والشفافية”، ما زالت بعض الإدارات تُدار بمنطق “من سرق قبلك سرقنا معه”. والمضحك المبكي أن من يفترض أن يحرس المال العام، هو أول من يمد يده إليه.
الفساد هنا لم يعد مجرد انحراف سلوكي، بل خطة معيشية بديلة، لأن الأجر لا يكفي، والضمير لا يُطعم الأبناء، والقانون يمكن التفاوض معه ببعض العلاقات أو بالتقاعد المبكر.

وهكذا، تتحوّل بعض الإدارات إلى ما يشبه “دكاكين الدولة”، حيث كل موظف يبحث عن نصيبه من الكعكة، وكل رئيس مصلحة يسهر على توزيع الغنائم بدل الوثائق.

ويبقى السؤال الكبير الذي لا تجرؤ أي لجنة على طرحه:
هل نحن أمام حالات فردية، أم أن الفساد صار نظامًا اجتماعيا متكاملاً يُعوض ضعف الأجور؟
وإذا كنا لا ندافع عن اللصوص، فإننا نتساءل من يدفع موظفًا عموميًا إلى السرقة؟ الفقر؟ أم انعدام المراقبة؟ أم الإحساس بأن الدولة نفسها تسرقهم كل شهر حين تسلمهم راتبًا لا يسد الرمق؟

الجواب – بكل بساطة – أن السرقة الكبرى تبدأ حين يفقد الناس ثقتهم في العدالة، والإدارة، والكرامة.
وعندها يصبح الموظف مجرد مواطن آخر يحاول النجاة من واقع لا يرحم… فقط بأسلوب أكثر “مؤسساتية”.

ولهذا، فإن ما حدث في محجز وجدة ليس حادثًا معزولًا، بل ربما مجرد رأس الجليد في بحر من التجاوزات المسكوت عنها. فالمحاجز الجماعية في عدد من المدن قد تحوّلت، مع مرور الزمن، إلى مناطق رمادية لا تعرفها المراقبة ولا تطالها لجان التفتيش إلا نادرًا، حيث تتكدّس السيارات والدراجات والمعدات، ومعها تنمو شهية من يعتبرون المال العام “رزقًا ساقه الله”.

من هنا، دعوة صريحة لكل المسؤولين الأمنيين والإداريين في البلاد: افتحوا أبواب المحاجز الجماعية وفتّشوا كل زاوية، فربّ زقاق مظلم يخبئ وراءه شبكة كاملة.
فقديمًا قالت الحكمة الشعبية، بعبارتها العفوية والدامغة:

“هبّش، تجبد حنش.”

ومَن يدري؟ ربما حين نُهَبّش حقًا، سنكتشف أن تحت التراب أكثر من حنش… وربما ثعبانًا يُشرف على الدكان كله!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.