هل أصبحت مناصب الولاة والعمال في المزاد العلني؟
حين تنفصل السلطة الترابية عن روح الدولة… وتقترب من منطق الغنيمة

ضربة قلم
سؤال يبدو صادمًا، لكنه لم يعد مستفزًا بقدر ما أصبح مقلقًا:
هل ما زالت مناصب الولاة والعمال في المغرب تُفهم باعتبارها تكليفًا ثقيلًا ومسؤولية وطنية، أم أنها تحوّلت، في وعي البعض وممارساتهم، إلى فرصة للتموقع، وبوابة للثراء، ورأسمال للنفوذ؟
السؤال لا يطرحه خصوم الدولة، بل يطرحه الواقع اليومي، وتطرحه ملاحظات مكشوفة، ويطرحه تناقض صارخ بين خطاب رسمي واضح يدعو إلى الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين سلوكيات ميدانية توحي بأن بعض من يُفترض فيهم تمثيل الدولة اختاروا طريقًا آخر.
من رجل سلطة إلى “رجل علاقات”
تقليديًا، كان الوالي أو العامل يُنظر إليه باعتباره رجل الدولة بامتياز:
حازم، متحفظ، بعيد عن الشبهات، لا يُرى في الولائم، ولا يُحسب على أي دائرة مصالح.
اليوم، في عدد من الحالات، تغيّرت الصورة:
-
تهافت على بناء العلاقات
-
سباق نحو التقرب من أصحاب المال
-
مجاملات مفرطة لمن “يساوي” ومن “لا يساوي”
-
حضور لافت في فضاءات لا تليق بموقع المسؤول الترابي
وكأن المنصب، لم يعد سلطة إدارية محايدة، بل منصة اجتماعية واقتصادية لتوسيع الشبكة، لا لتطبيق القانون.
حين تختلط الهيبة بالمنفعة
الخطير في هذا التحول ليس فقط في السلوك، بل في اختلاط الأدوار.
الوالي أو العامل، حين يفرط في نسج العلاقات، يفقد تلقائيًا جزءًا من هيبته.
وحين يصبح قريبًا من عالم المال، يصعب عليه أن يكون صارمًا في مراقبته.
وحين يراكم المجاملات، يعجز عن قول “لا” حين يجب أن تُقال.
هنا، تتحول السلطة من أداة تنظيم إلى عملة تفاوض،
وتتحول الإدارة من خدمة عمومية إلى مساحة للترضيات.
الهرولة نحو الثراء… بأي ثمن
أخطر ما يلاحظه المتتبعون، ليس مجرد التقرب من رجال الأعمال، بل الهرولة غير المفهومة نحو عالم الثراء.
كيف لمسؤول إداري أن يعيش نمط عيش لا ينسجم مع دخله؟
كيف تُبنى ثروات في زمن قياسي؟
وكيف تُدار علاقات ملتبسة لا يليق مجرد الاقتراب منها بموقع يفترض فيه النزاهة؟
وحين يصبح المال هو البوصلة، لا يعود غريبًا أن تُمد اليد، مجازيًا، إلى “الشياطين”،
أي إلى كل ما هو مشبوه، ما دام الهدف هو الصعود السريع، لا الخدمة العامة.
التناقض الصارخ مع الخطاب الملكي
المفارقة المؤلمة أن كل هذا يجري في وقت يصرّ فيه الملك، في خطبه، على:
-
تخليق الحياة العامة
-
ربط المسؤولية بالمحاسبة
-
محاربة الريع
-
إعادة الاعتبار لثقة المواطن في الإدارة
لكن ما الفائدة من خطاب واضح، إذا كانت بعض الممارسات على الأرض تنسف مضمونه؟
كيف نطالب المواطن باحترام القانون، إذا كان من يُجسّد السلطة يتعامل معه بمرونة انتقائية؟
وكيف نُقنع الناس، بأن الدولة جادة في الإصلاح، إذا كان الفساد يغيّر فقط شكله لا جوهره؟
حين يصبح المنصب استثمارًا لا مسؤولية
في هذا السياق، يطرح سؤال أخطر:
هل لا يزال بعض الولاة والعمال يرون في مناصبهم نهاية مسار مهني، أم بداية مشروع شخصي؟
حين يُفهم المنصب كـ:
-
رافعة علاقات
-
مدخل لعالم الأعمال
-
بوابة لمرحلة “ما بعد الدولة”
فإننا نكون أمام انحراف خطير في فلسفة التعيين، حيث لا يعود الهدف خدمة الصالح العام، بل تحصين المستقبل الخاص.
الأثر المدمر على الإدارة والمواطن
هذه السلوكيات، حتى حين لا تكون مجرّمة قانونيًا، مدمّرة مؤسساتيًا:
-
تُضعف ثقة المواطن في الإدارة
-
تُشجع الانتهازية داخل الجهاز الإداري
-
تُفرغ مفهوم السلطة من محتواه الأخلاقي
-
وتخلق دولة بمكيالين: صارمة مع الضعفاء، مرنة مع الأقوياء
وحين يشعر المواطن، أن القانون يُطبق حسب الأسماء والعلاقات، لا حسب النصوص، فإن فكرة الدولة نفسها، تبدأ في التآكل.
ليس اتهامًا… بل إنذار
هذا الكلام ليس تعميمًا، ولا تشهيرًا، ولا إنكارًا لوجود مسؤولين نزهاء يشتغلون في صمت.
لكنه إنذار واضح من مسار مقلق، إن تُرك دون تصحيح، سيحوّل السلطة الترابية، من ركيزة استقرار إلى عبء على الثقة العامة.
الخلاصة التي لا يجب الهروب منها
مناصب الولاة والعمال ليست غنائم،
وليست مكافآت،
وليست فرصًا للاغتناء أو بناء الشبكات.
هي تكليف ثقيل باسم الدولة.
ومن لا يستطيع تحمّل هذا الثقل بنزاهة وتجرد، فالأجدر به أن يبتعد.
فالدولة لا تنهار حين يُنتقد مسؤولوها،
بل تنهار حين يُمنح الصمت شرعية،
وحين يتحول السؤال المشروع إلى تهمة.
وربط المسؤولية بالمحاسبة
إما أن يكون ممارسة يومية…
أو يظل مجرد جملة جميلة في الخطب.




