هل أصبح البريد بنك ضيعة خارج منطق الدولة؟ البريديون يقرعون أبواب القضاء… فمن يتدخل؟

ضربة قلم
كنا قد تطرقنا أمس إلى ما آلت إليه العلاقة بين إدارة البريد بنك وعدد من مستخدميها، بعدما أصبحت قاعات المحاكم، فضاءً يلجأ إليه بعض الموظفين بحثاً عما يعتبرونه إنصافاً، بدل أن يكون الحوار الداخلي، هو السبيل الطبيعي لمعالجة الخلافات الاجتماعية والإدارية.
ونعود اليوم إلى هذا الملف، لأن ما يثير الاستغراب ليس مجرد وجود دعاوى قضائية، بل الانطباع الذي بدأ يتشكل لدى عدد من البريديين بأن إدارة البريد بنك تتصرف، وكأنها بمنأى عن روح التوجيهات الحكومية، وعن فلسفة الإدارة الحديثة التي تجعل احترام الموارد البشرية، أساس نجاح أي مؤسسة.
وتزداد المفارقة عندما يتعلق الأمر بمؤسسة، يقود مجلسها الإداري الجماعي مسؤول ينتمي إلى حزب سياسي طالما رفع، في خطابه، شعارات الدفاع عن حقوق المواطنين والموظفين، والوقوف إلى جانب كل من يشعر بالظلم أو الحيف. ولذلك، ينتظر المستخدمون أن تترجم هذه المبادئ إلى ممارسات داخل المؤسسة، وأن يكون الإنصاف هو القاعدة، لا أن تتحول الملفات الاجتماعية إلى نزاعات قضائية، كان بالإمكان تفاديها بالحوار والمسؤولية.
ومن بين أكثر الملفات إثارةً للنقاش، تبرز وضعية عدد من البريديين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية، الذين يستندون في مطالبهم إلى سلسلة من التوجيهات والمراسلات الحكومية المتعاقبة منذ سنة 1988، مروراً بسنوات 1995 و1999 و2000 و2014 و2019، وصولاً إلى مراسلات وزارة الداخلية لسنة 2023، ثم وزارة التربية الوطنية لسنة 2024، التي أتاحت، أسوةً بعدد من القطاعات والإدارات العمومية، إمكانية الاستفادة من هذا الاختيار لفائدة المنتمين إليها، وفق الضوابط المعمول بها. ويؤكد المعنيون أن هذه الوثائق الرسمية، كرست مبدأ الاحتفاظ بالموظفين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية، بعد بلوغهم سن التقاعد، عبر عقود قابلة للتجديد، مراعاةً لخصوصية أوضاعهم التاريخية والإدارية والاجتماعية، مع الدعوة إلى توحيد تنزيل هذه المقتضيات داخل مختلف الإدارات والمؤسسات العمومية.
ومن هنا يطرح البريديون سؤالاً يبدو مشروعاً: إذا كانت إدارات ومؤسسات عمومية عديدة، قد عملت على تنزيل هذه التوجيهات، فلماذا يبدو الأمر مختلفاً داخل بريد بنك؟ ولماذا يجد بعض المستخدمين أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى القضاء، للمطالبة بما يعتبرونه حقوقاً ثابتة، بدل أن يجدوا آذاناً صاغية داخل مؤسستهم؟
إن المؤسسة المواطنة لا تُقاس بحجم معاملاتها المالية، ولا بعدد وكالاتها المنتشرة عبر ربوع المملكة، وإنما بقدرتها على حماية كرامة مستخدميها، واحترام حقوقهم، وفتح أبواب الحوار قبل أن تُفتح أبواب المحاكم. فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة، ليست في أرصدتها، بل في رصيد الثقة الذي تبنيه مع نسائها ورجالها.
واليوم، يؤكد عدد من البريديين المعنيين بهذا الملف، أن الأمر لم يعد بالنسبة إليهم مجرد خلاف إداري، بل أصبح قضية كرامة واحترام للمراكز القانونية، التي يرون أنها تستند إلى توجيهات ومراسلات رسمية. ولذلك، يعلنون تمسكهم بمواصلة الدفاع عن حقوقهم بكل الوسائل القانونية والمؤسساتية التي يكفلها الدستور والقانون، مؤكدين أنهم لن يصمتوا عما يعتبرونه ظلماً، ولن يتنازلوا عن المطالبة بحقوقهم، ما دامت لديهم قناعة بأنها تستند إلى أساس قانوني وإداري.
ولعل ما يزيد هذا الملف حساسية، أن عدداً من البريديين المنحدرين من الأقاليم الجنوبية، سبق لهم أن طرقوا أبواب القضاء في مواجهة البريد بنك، فيما يستعد آخرون لسلوك الطريق نفسه، بعد أن فقدوا، بحسب تعبيرهم، الأمل في إيجاد حل داخل المؤسسة. ويحدو هؤلاء تفاؤل كبير بأن القضاء سينصفهم، انطلاقاً من قناعتهم بأن مطالبهم، تستند إلى توجيهات ومراسلات حكومية سبق أن جرى تنزيلها في عدد من القطاعات والإدارات والمؤسسات العمومية، بينما يرون أن وضعيتهم داخل البريد بنك ما تزال تراوح مكانها.
وهنا تبرز المفارقة التي تثير كثيراً من التساؤلات: لماذا يتحول ملف يرى أصحابه، أنه قابل للحل الإداري إلى سلسلة من الدعاوى القضائية؟ ولماذا يضطر موظفون أفنوا سنوات من حياتهم، في خدمة المؤسسة إلى البحث عن الإنصاف بين أروقة المحاكم بدل العثور عليه داخل مؤسستهم؟
إن الرهان اليوم، لم يعد يقتصر على كسب حكم قضائي هنا أو هناك، بل أصبح رهاناً على استعادة الثقة، واحترام مبدأ المساواة في تطبيق التوجيهات الرسمية، وترسيخ ثقافة الحوار قبل التقاضي. فالمؤسسات القوية، لا تُقاس بقدرتها على كسب المنازعات، وإنما بقدرتها على منع وصولها إلى القضاء أصلاً، عبر الإنصاف والإصغاء والاحتكام إلى القانون. أما البريديون، فيؤكدون أن معركتهم ستظل معركة قانون ومؤسسات، وأنهم سيواصلون الدفاع، عما يعتبرونه حقوقاً مشروعة بكل الوسائل التي يكفلها الدستور والقانون، إلى أن تقول العدالة كلمتها.





https://shorturl.fm/3QxXP