هل أصبح الصيد بالقصبة من أسرار الدولة؟
حين تتحول “الهواية البريئة” إلى نشاط مشروط برخصة في سواحل المغرب

ضربة قلم
في السنوات الأخيرة، عاد النقاش بقوة حول ممارسة الصيد بالقصبة في السواحل المغربية، خاصة بعد تشديد المراقبة في عدد من الشواطئ والمناطق البحرية. هواة اعتادوا حمل قصباتهم فجراً، والجلوس على الصخور في صمتٍ لا يقطعه سوى ارتطام الموج، وجدوا أنفسهم أمام واقع قانوني أكثر صرامة: لا صيد دون ترخيص.
لكن هل الأمر جديد فعلاً؟ وهل تحول الصيد بالقصبة، إلى “سر من أسرار الدولة” كما يتداول البعض بسخرية؟
الإطار القانوني: ليس جديداً… لكن التطبيق تغيّر
قانون الصيد البحري في المغرب ،يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً إلى الظهير الشريف المنظم للقطاع سنة 1973، مع تعديلات لاحقة عززت تنظيم المجال البحري.
هذا الإطار القانوني ينص على أن ممارسة الصيد في البحر، سواء من قارب أو من الشاطئ، تخضع لترخيص مسبق تمنحه مصالح الصيد البحري المختصة.
بمعنى أوضح:
الصيد بالقصبة، لم يكن يوماً نشاطاً خارج القانون، لكنه أيضاً لم يكن مباحاً بلا قيد. الفرق اليوم يكمن في تشديد المراقبة وتفعيل المقتضيات القانونية التي ظلت لسنوات طويلة تطبق بمرونة في بعض المناطق.
ماذا يعني ذلك عملياً؟
-
لا يمكن ممارسة الصيد البحري (حتى بالقصبة ومن الشاطئ) دون رخصة.
-
المخالفة قد تعرض صاحبها لغرامات مالية.
-
في بعض الحالات، يمكن حجز المعدات المستعملة.
السلطات تبرر هذا التشدد بحماية الثروة السمكية، ومحاربة الصيد العشوائي، وضبط الاستغلال غير المنظم للموارد البحرية، خاصة في ظل تراجع بعض الأصناف السمكية والضغط البيئي المتزايد.
بين الهواية والتنظيم
هنا تبدأ الإشكالية الاجتماعية.
الصيد بالقصبة في المخيال الشعبي المغربي ليس “نشاطاً اقتصادياً”، بل طقساً يومياً بسيطاً:
متقاعد يبحث عن فسحة هدوء، شاب يهرب من ضجيج المدينة، أو أب يصحب ابنه لتعلم الصبر.
حين يُطلب من هؤلاء ترخيص رسمي، يشعر البعض أن الأمر مبالغ فيه، وكأن البحر أصبح منطقة عسكرية مغلقة. ومن هنا خرجت العبارة الساخرة:
“هل أصبح الصيد بالقصبة من أسرار الدولة؟”
والجواب الواقعي: لا.
لكنه أصبح نشاطاً منظماً يخضع لنفس منطق تقنين الموارد، مثل الصيد التجاري، وإن كان على نطاق مختلف.
لماذا هذا التشدد الآن؟
هناك عدة أسباب محتملة:
-
تزايد عدد ممارسي الصيد الترفيهي.
-
استغلال بعض الهواة النشاط بشكل شبه تجاري.
-
ضغط بيئي واضح على بعض السواحل.
-
رغبة الدولة في إحصاء وتنظيم كل الأنشطة المرتبطة بالمجال البحري.
بمعنى آخر، المسألة ليست “أمنية”، بل بيئية وتنظيمية واقتصادية في جوهرها.
الخلاصة
الصيد بالقصبة لم يتحول إلى سر من أسرار الدولة، لكنه لم يعد نشاطاً عفوياً بلا شروط.
القانون كان موجوداً منذ سنوات، غير أن التطبيق أصبح أكثر حزماً.
السؤال الحقيقي ليس:
“لماذا نحتاج رخصة؟”
بل ربما:
“كيف يمكن تنظيم هذا النشاط بطريقة مبسطة تحمي البحر، دون أن تُطفئ متعة الهواة؟”
لأن البحر، في النهاية، ليس ملكاً لأحد… لكنه أيضاً مسؤولية الجميع.




