هل الحروف هي التي ملّتنا أم مللنا الكتابة؟

م-ص
سؤالٌ يقطر وجعًا ويبتسم في الوقت نفسه، كأنه يعرف الإجابة ولا يريد قولها.
هل الحروف هي التي ملّتنا أم أن الملل تسرّب من أرواحنا إلى أصابعنا ففقدت الكتابة معناها؟
نكتب، لأننا نخاف ألا نُكتب.
نصنع من الحروف جسورًا إلى الآخرين، فإذا بها تتحول إلى مرايا نرى فيها ما لا نريد أن نراه.
في البداية، كانت الكلمة وطنًا، ثم غدت عادة، ثم أصبحت طقسًا لا يطهّر شيئًا.
كأن الكتابة تحولت إلى صلاةٍ بلا خشوع، نؤديها لأننا لا نعرف كيف نصمت.
ربما الحروف لم تملّنا، بل هي تتوجّع معنا.
تئنّ تحت ثقل ما نحمله من خيبات، وتنتعش حين نكتبها بصدقٍ بسيط يشبه أنفاس الصباح.
الحروف بريئة، نحن من دنّسناها بالاستعجال، بالزخرف، وبالكتابة من أجل التصفيق.
لقد كنّا نكتب لنحيا، ثم صرنا نكتب كي نثبت أننا أحياء.
فرقٌ كبير بين الاثنين، فالأولى فعل حبّ، والثانية فعل خوف.
الكتابة التي لا تأتي من خوف الفناء، تأتي من قلق البقاء، ومن بينهما تضيع الحقيقة.
حين تملّ الكتابة، فهي لا تملّ من الكلمات، بل منّا نحن الذين فقدنا دهشتنا الأولى.
نحن الذين صار قلمنا أو لوحة الحاسوب آلةً بلا روح، نطارد الجمال كما نطارد لحظة فرار الوقت بين أصابعنا.
وحين يضيع شغفنا، تتحول الحروف إلى كائنات بلا نبض، تتثاءب على بياض الشاشة كما نتثاءب نحن أمام صورتنا في المرآة.
الحروف يا صديقي لا تملّنا، إنها فقط تنتظر أن نعود إليها بشيءٍ من الطفولة.
أن نكتب كما كنا نحلم، لا كما نُطلب.
أن نعيدها إلى حقيقتها الأولى: صوتُ إنسانٍ يحاول أن يقول “أنا هنا” قبل أن يبتلعه الصمت.
فهل الحروف ملّتنا؟
ربما لا… فهي، مثلنا، تبحث عن الصدق في كل حرف، عن اليد التي تمسك بها لا لتثير الإعجاب، بل لتمنح النفس فرصة للتنفّس والوجود.




