الإعلانات الظاهرة على هذه المنصة تُعرض تلقائياً عبر خدمة Google AdSense، وهي الممول الإعلاني الوحيد لمنصتنا الإلكترونية، ولا تعبّر بالضرورة عن توجهاتنا أو مواقفنا

مجتمعالشأن المحلي

هل المجلس الجماعي للمحمدية يعيش في جزيرة معزولة عن اهتمامات السكان؟!

ضربة قلم

في الوقت الذي تتحدث فيه المجالس المنتخبة عن “تأهيل المدينة”، و”تحسين جودة العيش”، و”المساحات الخضراء”، توجد بحي رياض السلام بالمحمدية، حديقة صغيرة تحولت، بصمت غريب، إلى عنوان صارخ للإهمال، وكأنها فضاء منسي خارج حسابات المنتخبين والمسؤولين.

الحديقة المجاورة للمقاطعة الإدارية السابعة، والتي يفترض أن تكون متنفسا بسيطا للعائلات والأطفال، أصبحت اليوم صورة مؤلمة لواقع لا يحتاج إلى تقارير ولا إلى لجان تفتيش، بل فقط إلى زيارة قصيرة تكفي لاكتشاف حجم التهميش الذي يعيشه هذا الفضاء.

الغريب أن هذا المكان يوجد على مرمى خطوات من مرافق رسمية وأساسية: دائرة أمنية، ملحقة إدارية، وملعب للقرب… ومع ذلك، يبدو وكأن الجميع يمر بجانبه دون أن يراه. الأعشاب العشوائية تتمدد في كل الاتجاهات، القاذورات تحتل الزوايا والممرات، المرافق تعرضت للتخريب، والمراحيض تحولت إلى مشهد لا يليق حتى بالوصف، بعدما أزيلت أبوابها وصار مجرد الاقتراب منها، مغامرة تحتاج إلى شجاعة أكثر، مما تحتاج إلى رغبة في استعمالها.

ورغم هذا الوضع الكارثي، لا تزال نساء الحي يرافقن أبناءهن إلى هذا الفضاء، ولا يزال الأطفال يركضون هنا وهناك، يصنعون من مكان مهمل مساحة صغيرة للفرح، وكأنهم يقاومون القبح اليومي بما تبقى لديهم من براءة.

المؤلم أكثر أن مثل هذه الفضاءات لا يتم تذكرها غالبا إلا في المواسم الانتخابية، حين تتحول الأزقة والحدائق والأحياء الشعبية فجأة إلى “قضية كبرى”، ويكتشف الجميع أن المواطن “يستحق العناية والاهتمام”. تنطلق الوعود، تكثر الابتسامات، وتبدأ حفلات التقاط الصور، قبل أن يعود كل شيء إلى صمته المعتاد مباشرة بعد انتهاء موسم جمع الأصوات.

أما ليلا، فالسكان وحدهم يعرفون ما الذي يحدث داخل هذا الفضاء في ظل غياب الحراسة والمراقبة. مكان يفترض أن يكون فضاء عائليا آمنا، يتحول تدريجيا إلى منطقة رمادية مفتوحة على كل الاحتمالات، بينما الجهات المسؤولة تواصل صمتها، وكأن الأمر لا يعنيها.

السؤال الذي يطرحه كثير من سكان رياض السلام اليوم ليس معقدا: كيف يعقل أن تعجز مدينة بأكملها عن صيانة حديقة صغيرة؟ وكيف يمكن الحديث عن التنمية المحلية بينما أبسط المرافق العمومية تُترك لهذا المستوى من التدهور؟

كفانا ضحكا على الذقون… فالمواطن لا يطلب معجزات، ولا ينتظر مشاريع بملايين الدراهم، بل يطالب فقط بأبسط الأمور: بستاني يعتني بالأشجار والعشب، وعامل نظافة يرفع القاذورات، وحارس يضمن أمن الفضاء ويحميه من التخريب والفوضى.

هل أصبح توفير بستاني وحارس حلما مستحيلا في مدينة كاملة؟ وهل يحتاج تنظيف حديقة صغيرة إلى اجتماعات ماراثونية وبلاغات مطولة ولجان لا تنتهي؟

المشكل هنا لا يتعلق فقط بالعشب غير المشذب أو المراحيض المتسخة أو غياب النظافة، بل يتعلق بعقلية كاملة في تدبير الشأن المحلي، عقلية تجعل بعض المسؤولين يتذكرون المواطن فقط عند الحاجة إلى صوته، ثم يتركونه بعد ذلك يواجه وحده الإهمال، والتهميش، ورداءة الخدمات

المحمدية ليست في حاجة فقط إلى مهرجانات وصور وشعارات براقة عن “المدينة الجميلة”، بل تحتاج قبل كل شيء إلى مسؤول يشعر بالحرج وهو يرى حديقة عمومية بهذه الحالة، وإلى مجلس جماعي ينزل فعلا إلى الأحياء بدل الاكتفاء بالاجتماعات والتصريحات.

فالمدينة لا تُقاس بعدد اللافتات ولا بحجم البلاغات الرسمية، بل تُقاس بطريقة معاملة أبسط فضاء عمومي يرتاده المواطن العادي… وهناك، في حديقة رياض السلام، يبدو أن المواطن تُرك وحيدا وسط الأعشاب اليابسة والقاذورات والوعود القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!

أنت تستخدم إضافة Adblock

أنت تستخدم اضافة Adblocks يجب تعطيلها.