
م-ص
قبل سبعة عشر عاما تقريبا، لم يكن ميلاد حزب الأصالة والمعاصرة، حدثا حزبيا عاديا. كان أشبه بإعلان عن ميلاد لاعب جديد دخل إلى الساحة السياسية، وهو يحمل من عناصر القوة، ما لم يكن متاحا لغيره. فمؤسس الحزب، لم يكن شخصية سياسية عادية، بل فؤاد عالي الهمة، صديق الملك وزميله في الدراسة، وهو ما جعل كثيرين، ينظرون إلى الحزب، منذ أيامه الأولى، باعتباره حزبا “فوق العادة”، إن لم نقل إنه كان، في نظر البعض، أقرب إلى منطقة، لا يقترب منها أحد إلا بحساب.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه آنذاك، هو السرعة التي نجح بها الحزب في استقطاب أصحاب الرساميل، والأعيان، ووجوه من اليسار، ومن أحزاب مختلفة، حتى بدا وكأن باب الانخراط فيه، لا يحتاج إلى نقاشات إيديولوجية طويلة، ولا إلى مراجعات فكرية عميقة، بل يكفي أن تغير عنوانك السياسي، لتجد لنفسك مقعدا مريحا داخل “الوافد الجديد”.
كان المشهد يذكرني دائما بالمثل المغربي: “الراس اللي ما كيدورش… كدية.” فبعض السياسيين، اكتشفوا فجأة أن المبادئ، يمكن أن تكون مرنة أكثر من المطاط، وأن الشعارات التي كانوا يرفعونها بالأمس، يمكن طيها ووضعها في الرف إلى إشعار آخر.
لكن ما سأرويه اليوم، ليس تحليلا سياسيا فقط، بل تجربة شخصية، لا تزال تفاصيلها محفورة في ذاكرتي.
في تلك الفترة، كنت مديرا لنشر جريدة ورقية، وكان خطها التحريري ينحاز، كما يعرف القراء، إلى الدفاع عن الفئات البسيطة، خاصة في ملفات السكن والنزاعات الاجتماعية. فجأة، وجدت نفسي أمام دعوى قضائية، رفعها ضدي أحد المنتمين إلى الحزب، وكان وقتها من الأسماء التي يتحدث الناس عن ثروتها بالمليارات.
الدعوى مرت، والمحكمة قالت كلمتها، لكن الذي بقي في ذاكرتي، لم يكن الملف، بل موقفان لن يمحوهما الزمن.
الأول، حين استوقفني رجل مسن، رحمه الله، وقال لي عبارة ما زلت أستحضرها، كلما سمعت حديثا عن شراء الذمم، أو استغلال الفقر.
قال لي بالحرف:
“واش عارف؟ لو عطى هاد السيد غير شي ورقات زرق، لبعض الناس اللي كتدافع عليهم، غادي يرجموك، وحتى المخزن يدير راسو ما شاف والو.”
كانت جملة صادمة، ليس لأنها صحيحة أو خاطئة، بل لأنها تعكس نظرة جزء من المجتمع إلى سطوة المال، وإلى الاعتقاد بأن بعض الجيوب، تستطيع أن تغير حتى القناعات.
لكن، لحسن الحظ، لم تكن تلك الكلمات كافية لتغير قناعاتي. فمن يدافع عن حق الناس، وهو مقتنع بقضيته، لا يغير بوصلته لأن أحدهم يملك ثروة أكبر أو نفوذا أوسع.
أما الموقف الثاني، فكان أغرب.
بعد انتهاء إحدى الجلسات، وبعد مرافعة طويلة، اقتربت مني وكيل الملك، وكانت سيدة، وقالت لي جملة قصيرة جدا:
“راه في حزب الأصالة والمعاصرة.”
لم أعتبرها حكما قضائيا، ولا دليلا على شيء، لكنها بقيت في ذهني باعتبارها، عبارة تختزل المناخ السياسي الذي كان سائدا آنذاك، حيث كان مجرد الانتماء إلى ذلك الحزب يمنح، في نظر كثيرين، شعورا بالقوة والاطمئنان، سواء كان ذلك الانطباع صحيحا أم مبالغا فيه.
ومنذ ذلك اليوم، خرجت بخلاصة، لم تتغير إلى اليوم.
السياسة، حتى تبقى نظيفة، يجب أن يبتعد عنها شخصان: صاحب النفوذ الذي يستطيع أن يؤثر خارج المؤسسات، وصاحب المال الذي يستطيع أن يشتري ما لا يجب أن يباع.
لأن المواطن البسيط، لا يستطيع أن ينافس مليارديرا في حملة انتخابية، كما لا يستطيع أن ينافس صاحب نفوذ، يفتح له كل الأبواب قبل أن يطرقها.
ورغم كل الإمكانيات التي رافقت انطلاقة الحزب، فإن السياسة المغربية، أثبتت مرة أخرى أن النتائج لا تصنعها القوة وحدها. فقد جاءت مرحلة الربيع العربي، وصعد حزب العدالة والتنمية إلى الصدارة، بينما وجد “البام” نفسه عاجزا عن تحقيق الهدف الذي كان كثيرون يتوقعونه.
ثم جاءت مرحلة إلياس العماري.
وهنا لا أريد أن أتحدث عن الأشخاص بقدر ما أريد الحديث عن الظاهرة.
فالسياسة عندنا، لها قدرة عجيبة على تغيير الأوضاع. هناك من يدخلها بسيارة متواضعة، ثم يغادرها وهو يملك مشاريع واستثمارات وشركات وعقارات داخل المغرب وخارجه.
طبعا، ليس في النجاح الاقتصادي، أي عيب إذا كان نتيجة عمل مشروع ومعلن، لكن من حق الرأي العام دائما، أن يتساءل عن مسارات تضخم الثروات لدى المسؤولين والسياسيين، لأن الشفافية ليست ترفا، بل هي أساس الثقة.
المواطن المغربي أصبح يطرح سؤالا ساخرا، لكنه مؤلم:
هل السياسة عند البعض برنامج لخدمة الوطن… أم برنامج للاستثمار الشخصي؟
فإذا كانت التجارة تحتاج إلى رأسمال، والعقار يحتاج إلى تمويل، والصناعة تحتاج إلى استثمار، فإن السياسة، في بعض الحالات، تبدو وكأنها المشروع الوحيد، الذي يبدأ بالشعارات… وينتهي بالأرصدة.
المؤسف أن المواطن وحده، لا يحقق أي أرباح من هذه “الاستثمارات السياسية”. فهو يبقى وفيا لصندوق الاقتراع، بينما ترتفع أسعار المعيشة، وتتراجع القدرة الشرائية، ويستمر في سماع نفس الوعود كل خمس سنوات، وكأن الزمن في المغرب، لا يتحرك إلا ساعة الانتخابات.
ولذلك، فإن الديمقراطية الحقيقية، لا تحتاج إلى أحزاب تتباهى بعدد أصحاب الملايير داخلها، بقدر ما تحتاج إلى رجال ونساء يدخلون السياسة، وهم مستعدون للتضحية من أجل الوطن، لا لتحويلها إلى رافعة اجتماعية، أو اقتصادية لأنفسهم.
فالسياسة ليست شركة مساهمة، والبرلمان ليس مجلس إدارة، والمواطن ليس زبونا موسميا، يستدعى فقط يوم الاقتراع.
وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئا، فهو أن الأحزاب التي تؤسس على النفوذ، قد تلمع بسرعة، لكن الأحزاب التي تعيش طويلا هي تلك التي تجعل المواطن، يشعر بأن صوته أقوى من المال، وأن القانون أعلى من النفوذ، وأن الوطن أكبر من الجميع.




